1. Skip to Menu
  2. Skip to Content
  3. Skip to Footer>

حُسنُ الظن بالعلماء واجبٌ شرعي

PDF طباعة إرسال إلى صديق

الجمعة, 09 ديسمبر 2011 04:34

يقول السائل: ما هو الموقف الشرعي إذا وجدنا قولاً لبعض العلماء مخالفاً لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث وجدنا بعض طلبة العلم يشنعون على ذلك العالم،ويتهمونه بمخالفة السنة النبوية وقد يجهلونه،ومنهم من يقول انظروا إلى هذا العالم فإنه يقول كذا وكذا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا،فما قولكم في ذلك،أفيدونا؟

الجواب:ذكرني هذا السؤال بقصةٍ رواها لي أحدُ زملائي والذي كان أستاذاً في جامعة الملك سعود في الرياض وهو عالم أفغاني قال: كانت العادة في إحدى المناطق الأفغانية أنه إذا كان هنالك بيت عزاء،أن يلقي واعظٌ موعظةً في الناس،وفي اليوم الأول كان الواعظ ناقماً على أبي حنيفة،فاتفق مع أحد الناس ليسأله أثناء الدرس سؤالاً عن الولي في النكاح،فلما سأله قال الواعظ:هذه المسألة فيها خلافٌ بين أبي حنيفة وبين النبي صلى الله عليه وسلم،يقول أبو حنيفة يجوز النكاح بدون ولي،والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:(لا نكاح إلا بولي).

قال وفي اليوم التالي كان الواعظ حنفياً فأراد أن يردَّ على الواعظ الأول بردٍّ قوي،فاتفق مع شخص ليسأله عن حكم الذبيحة متروكة التسمية،فقال الواعظ:هذه المسألة فيها خلافٌ بين الشافعي وبين الله سبحانه وتعالى،يقول الشافعي يجوز أكل الذبيحة متروكة التسمية،والله تعالى يقول:{وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ}.

قلت هذا هو الجهل بعينه،وهذا سوءُ الأدب مع الله عز وجل،وسوءُ الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم،وسوءُ الأدب مع العلماء،وإساءة الظن بهم بأن الواحد منهم يتعمد مخالفة كتاب الله عز وجل،أو يتعمد مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

أقول من المقرر عند أهل العلم أن الخلاف في الفروع الفقهية موجودٌ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم،وأن أسباب اختلاف الفقهاء في مسائل الفروع كثيرة،وهنالك علمٌ مستقلٌ يسمى علم"أسباب اختلاف الفقهاء"وقد ألف فيه العلماء قديماً وحديثاً،فمن المؤلفات فيه:

الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم لعبد الله البطليوسي،ورفعُ الملام عن الأئمة الأعلام لشيخ الإسلام ابن تيمية،والإنصاف في أسباب الخلاف للدهلوي،وأسباب اختلاف الفقهاء لعلي الخفيف،وأسباب اختلاف الفقهاء للتركي وغيرها.

ولا بد لطلبة العلم الشرعي أن يدرسوا أسباب اختلاف الفقهاء،حتى يكونوا على بينة،إذا وجدوا قولاً لعالمٍ على خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم،وحتى لا يقعوا في أعراض العلماء بالتجهيل والسب والشتم،وليس معنى مخالفة عالمٍ لحديث ما،أنه تاركٌ للسنة النبوية،فلا بد من النظر في ذلك الحديث وفي قول ذلك العالم لنرى سبب تركه لذلك الحديث،فقد لا يبلغه الحديث أصلاً،وقد يكون بلغه ولكن لم يصح عنده،وقد يكون معارضاً بما هو أقوى منه،وقد يكون عاماً مخصوصاً،وقد يكون مطلقاً وعنده ما يقيده،وقد يكون مختَلَفاً في دلالته فمن العلماء من حمله على الوجوب ومنهم من حمله على الندب والاستحباب،وقد يكون عنده منسوخاً...إلى غير ذلك مما هو مفصلٌ في كتب أسباب اختلاف الفقهاء.

ولا شك أن عدم الإطلاع على الحديث من أكثر أسباب اختلاف الفقهاء التي تركت أثراً واضحاً في الفروع الفقهية،وهذا الأمر وجد منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم،قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند كلامه على أسباب اختلاف العلماء:

[أن لا يكون الحديثُ قد بلغه,ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالماً بموجبه,وإذا لم يكن قد بلغه-وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر؛أو بموجب قياسٍ؛أو موجب استصحاب-فقد يوافق ذلك الحديث تارةً,ويخالفه أخرى.

وهذا السبب:هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفاً لبعض الأحاديث.فإن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحدٍ من الأمة.وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث؛أو يفتي؛أو يقضي؛أو يفعل الشيء؛فيسمعه أو يراه من يكون حاضراً,ويبلغه أولئك-أو بعضهم-لمن يبلغونه,فينتهي علمُ ذلك إلى من شاء الله تعالى من العلماء,من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.ثم في مجلسٍ آخر قد يحدث,أو يفتي,أو يقضي,أو يفعل شيئاً,ويشهده بعض من كان غائباً عن ذلك المجلس,ويبلغونه لمن أمكنهم. فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء,وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء.وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم بكثرة العلم أو جودته.وأما إحاطةُ واحدٍ بجميع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم,فهذا لا يمكن ادعاؤُه قط.واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم الذين هم أعلم الأمة بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأحواله,خصوصاً الصديق رضي الله عنه الذي لم يكن يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم حضراً ولا سفراً,بل كان يكون معه في غالب الأوقات,حتى إنه يسمر عنده بالليل في أمور المسلمين.وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه,فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يقول:(دخلت أنا وأبو بكر وعمر) و (خرجت أنا وأبو بكر وعمر)] رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص5-7.

ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أمثلةً لخفاء السنن على الصحابة،فمن ذلك ما جاء في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب:لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة،فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها،وقال بعضهم:بل نصلي،لم يرد منا ذلك،فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم)رواه البخاري.

ومن ذلك أيضاً أنه قد خفي على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ميراث الجدة على كثرة ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم حتى أطلعه عليه المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهما،فعن قبيصة بن ذؤيب قال:جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها،فقال:ما لك في كتاب الله شيءٌ،وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً،فارجعي حتى أسأل الناس،فسأل الناس،فقال المغيرة بن شعبة:حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس،فقال:هل معك غيرك؟فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة،فأنفذه لها أبو بكر) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الترمذي.

وكذلك فقد خفي على عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ورَّث المرأة من دية زوجها،فعن سعيد بن المسيب أن عمر كان يقول الدية على العاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً،حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن ورِّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها)رواه أبو داود والنسائي والترمذي،وقال:هذا حديث حسن صحيح،والعمل على هذا عند أهل العلم

وكذلك فقد خفيت على عمر رضي الله عنه سنة الاستئذان كما في حديث أبي سعيد الخدري قال:كنت في مجلسٍ من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال:استأذنت على عمر ثلاثاً،فلم يؤذن لي،فرجعت فقال:ما منعك قلت:استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي،فرجعت وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا استأذن أحدكم ثلاثاً،فلم يؤذن له فليرجع فقال:والله لتقيمنَّ عليه ببينةً،أمنكم أحدٌ سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبي بن كعب:والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم،فكنت أصغر القوم؛فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك)رواه البخاري ومسلم.

وكذلك خفي على عثمان رضي الله عنه أن المرأة المتوفى عنها زوجها تعتد في بيت الزوجية،فعن زينب بنت كعب بن عجرة أن الفريعة بنت مالك بن سنان-وهي أخت أبي سعيد الخدري-أخبرتها:أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة،فإن زوجها خرج في طلب أعبدٍ له أَبقُوا،حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم،فقتلوه، قالت:فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة،فإن زوجي لم يتركني في مسكنٍ يملكه،ولا نفقة، قالت:فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:نعم،قالت:فانصرفتُ حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت فقال:كيف قلت؟فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي،فقال:امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتابُ أجلَه، قالت:فاعتددت فيه أربعة أشهرٍ وعشراً،قالت:فلما كان عثمان بن عفان،أرسل إليَّ،فسألني عن ذلك؟فأخبرته،فاتبعه وقضى به)رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة،وقال الترمذي:هذا حديث حسن صحيح.

والأمثلة على هذا السبب كثيرة،فإذا كان كبار الصحابة قد خفيت عليهم أحاديث،وهم من أكثر الناس ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم،فمن جاء بعدهم من التابعين وأتباعهم والأئمة الأربعة يمكن أن يخفى عليهم بعض السنن،وخاصة أن تدوين السنة النبوية كان بعدهم كما أن الإحاطة بسنة النبوية أمرٌ عسير في حق العلم الواحد،

وبناءً على ما سبق فإن الواجب الشرعي على طلبة العلم إذا وجدوا قولاً لعالمٍ على خلاف السنة النبوية أن يلتمسوا له العذر،وأن يبحثوا في سبب ذلك ولا يتعجلوا بالطعن فيه،وليعلموا أن علمائنا وأئمتنا كلهم متبعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

وكلهم من رسول الله ملتمسٌ غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم.

والواجب على طلبة العلم أن يتأدبوا مع العلماء،فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه)رواه أحمد والحاكم وقال العلامة الألباني حديث حسن،كما في صحيح الترغيب والترهيب1/152.

وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية المشهورة:[وعلماء السلف من السابقين،ومن بعدهم من التابعين،أهل الخبر والأثر،وأهل الفقه والنظر،لا يذكرون إلا بالجميل،ومن ذكرهم بسوءٍ فهو على غير السبيل]شرح العقدية الطحاوية ص 554.

وخلاصة الأمر أننا إذا وجدنا قولاً لعالمٍ على خلاف السنة النبوية،فالواجب أن نبحث في سبب ذلك وأن نلتمس له العذر وأن نحسن الظن به،كما قال الإمام الشوكاني عند تعليقه على ما نُسب لأبي حنيفة في العقيقة:[ وحكى صاحب البحر عن أبي حنيفة أن العقيقة جاهلية محاها الإسلام،وهذا إن صحَّ حُمل على أنها لم تبلغه الأحاديث الواردة في ذلك] نيل الأوطار 5/150.وهكذا ينبغي أن نُحسن الظن بعلمائنا وأئمتنا فهم أتقى وأورع من أن يتعمدوا مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 

تابعونا على

شبكة محبي الدكتور حسام الدين عفانه شبكة يسألونك على اليوتيوب

درس الشيخ الإسبوعي
شرح باب المعاملات من كتاب نيل الأوطار للإمام الشوكاني

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 25 زائر متصل

تسجيل الدخول

تذكرني

لأفضل تصفح

إنترنت إكسبلورر8Firefox 3.5
قم بالتحديث لآخر إصدارة

لكثرة المتغيرات اليومية في المجتمع الفلسطيني المسلم

وكثرة المستجدات في المسائل العلمية

كانت شبكة يسألونك الإسلامية

السؤال نصف العلم، وفي السؤال شفاء القلوب.

وراحة النفوس في الوقوف  على الحلال والحرام.

وموقع يسألونك دليل التائهين وشفاء السائلين.

شبكة يسألونك الإسلامية

تحت إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة

القدس - فلسطين المحتلة