فعل المضرور يعفي غيره من المسؤولية الجنائية
يقول السائل:استأجرت عاملاً لرفع كمية من الطوب إلى الطابق الثالث من منزلي فسقط العامل أثناء عمله وتوفي إثر سقوطه، ويطالبني ذووه بالدية، فهل أتحمل ديته بحجة أن الحادث حصل في منزلي، مع أنه ليس لي علاقة بسقوطه، ولم أكن موجوداً عند سقوطه فما الحكم الشرعي في ذلك؟ أفيدوني.
الجواب:قرر الفقهاء أن أسباب الضمان في الجنايات يعود لأمرين:أولهما المباشرة،وثانيهما التسبب مع التعدي،قال الشيخ ابن رجب الحنبلي عند كلامه على أسباب الضمان بشكل عامٍ:[وأما الإتلاف فالمراد به أن يباشر الإتلاف بسبب يقتضيه كالقتل والإحراق أو ينصب سبباً عدواناً،فيحصل به الإتلاف بأن يحفر بئراً في غير ملكه عدواناً أو يؤجج ناراً في يوم ريحٍ عاصفٍ فيتعدى إلى إتلاف مال الغير] القواعد لابن رجب 2/169.
والمقصود بالمباشرة:[إيجاد علة التلف كالقتل والأكل والإحراق.وحدُّ السبب إيجاد ما يحصل الهلاك عنده لكن بعلة أخرى،إذا كان السبب مما يقصد لتوقع تلك العلة فيجب الضمان على المكره على إتلاف المال،وعلى حفر بئر في محل عدوان فتردت فيه بهيمة إنسان] الوجيز للغزالي 11/242.
وقال العز بن عبد السلام:[ وأما المباشرة فهي إيجاد علة الهلاك...وأما التسبب فإيجاد علة المباشرة] قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/271.
وهذا ما قررته مجلة الأحكام العدلية حيث ورد في المادة (887):[الإتلاف مباشرةً هو إتلاف الشيء بالذات ويقال لمن فعله فاعل مباشر].
وورد في المادة (888):[الإتلاف تسبباً هو التسبب لتلف شيءٍ، يعني إحداث أمر في شيء يفضي إلى تلف شيء آخر على جري العادة، ويقال لفاعله متسبب فعليه إن قطع حبل قنديلٍ معلقٍ، هو سببٌ مفضٍ لسقوطه على الأرض وانكساره، فالذي قطع الحبل يكون أتلف الحبل مباشرةً وكسر القنديل تسبباً].
وقرر العلماء عدة قواعد فقهية في بيان توزيع المسؤولية الجنائية بين المباشر والمتسبب منها:إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر،قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ ومتى اجتمع المباشر مع المتسبب كان الضمان على المباشر دون المتسبب كالحافر مع الدافع] المغني 9/450، وورد في الموسوعة الفقهية:[لا خلاف بين الفقهاء في أن التعدي على الغير مباشرة هو من أقوى أسباب الضمان.كما اتفقوا في الجملة:على أنه إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر،وإن اختلفوا في بعض الجزئيات ،فالقاعدة:إذا اجتمع السبب والمباشرة أو الغرور والمباشرة قدمت المباشرة] الموسوعة الفقهية الكويتية 36/53.
وورد في مجلة الأحكام العدلية المادة (90):إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر.ومنها:المباشر ضامن وإن لم يتعمد، وهي المادة (92) من المجلة،ومنها المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد وهي المادة (93) من المجلة.
وهذا ما قرره القانون المدني الأردني:[المادة 257- 1- يكون الإضرار بالمباشرة أو التسبب.2- فان كان بالمباشرة لزم الضمان، ولا شرط له. وإذا وقع بالتسبب فيشترط التعدي أو التعمد أو أن يكون الفعل مفضياً إلى الضرر.المادة 258- إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر].
وقال الشيخ العلامة العثيمين:[ كل من أتلف إنساناً بمباشرةٍ أو سببٍ لزمته ديته، سواء كانت الدية للبدن أو لجزءٍ منه،أو للمنافع،فإن اجتمع مباشران فعليهما الدية، وإن اجتمع متسببان فعليهما الدية،وإن اجتمع متسببٌ ومباشرٌ،فإن كان المباشر يمكن تضمينه فعلى المباشر وحده،وإن كان لا يمكن تضمينه فعلى المتسبب وحده.مثال المباشرة:أن يأخذ الإنسان آلة تقتل،فيقتل بها هذا الإنسان،سواء عمداً أو خطأ،أو يلقيه من شاهق.ومثال السبب:أن يحفر حفرةً في طريق الناس،فيقع فيها الناس، فهذا لم يباشر لكنه تسبب،فيكون الضمان عليه.ومثال المباشرين:أن يشترك اثنان في قتل شخص،فعليهما الدية.ومثال المتسببين:أن يشترك اثنان في حفر حفرةٍ في الطريق،فعليهما الدية.ومثال اجتماع المباشر والمتسبب:شخصٌ حفر حفرة،ووقف شخصٌ آخر عليها، فجاء إنسانٌ فدفعه فيها حتى سقط ومات، فالضمان على المباشر وهو الدافع؛لأنه أقوى صلة بالجناية من المتسبب.وكذلك لو أن شخصاً أعطى إنساناً سكيناً بدون مواطأة على القتل،فقتل بها إنساناً، فالضمان على المباشر،فإن كان المباشر لا يمكن تضمينه فعلى المتسبب،كما لو أن رجلاً ألقى إنساناً مكتوفاً بحضرة الأسد،فأكله الأسد،فعندنا مباشرٌ ومتسببٌ،المباشر هو الأسد،والمتسبب هو الذي ألقى الرجل مكتوفاً بحضرة الأسد،فالضمان هنا على المتسبب؛لأن المباشر لا يمكن تضمينه،كذلك إذا كان المباشر غير معتدٍ،وكان المتسبب هو المعتدي،وكانت المباشرة مبنية على ذلك السبب،فإن الضمان يكون على المتسبب،وذلك مثل لو شهد جماعةٌ على شخصٍ بما يوجب قتله،فقتله السلطان،ثم بعد ذلك رجعوا،وقالوا:عمدنا قتله،فهنا المباشر السلطان والمتسبب هم الشهود،لكن المباشر قد بنى مباشرته على مسوِّغٍ شرعي،وهو شهادة الشهود،ولا يمكنه أن يتخلص من هذه الشهادة الموجبة للقتل،وهذا السبب هو الذي أقر على نفسه بالجناية،فيكون الضمان على المتسبب،فهاتان حالتان.والحال الثالثة:إذا كان المباشر لا يمكن تضمينه؛لعدم تكليفه،فالضمان يكون على المتسبب،كمن أمر غير مكلفٍ بالقتل،فالضمان على الآمر؛لأنه هو السبب،وهنا المباشر غير مكلف فلا يمكن تضمينه؛لأنه لا قصد له،ولولا أمر هذا الإنسان ما قتل...والخلاصة أن القاعدة في موجب الدية،إما مباشرة أو سبب،وهذه القاعدة يتفرع عليها المسائل التالية:الأولى:أن يجتمع مباشران،فعليهما الدية.الثانية:أن يجتمع متسببان فعليهما الدية.الثالثة:أن يجتمع متسبب ومباشر،فالضمان على المباشر،إلا في ثلاث مسائل:الأولى:أن لا يمكن إحالة الضمان على المباشر بأي حال من الأحوال،بأن كان المباشر غير أهلٍ للتضمين كالمثال الأول.الثانية:إذا كانت المباشرة مبنية على سبب يسوغ شرعاً العمل به،كالمثال الثاني.الثالثة:إذا كانت المباشرة مبنية على السبب، وكان لهذا السبب تأثيرٌ قويٌ فيها،مع عدم صحة القصد منها،كالمثال الثالث.فإن كان الذي قتل كالآلة،بأن أخذه إنسانٌ وضرب به إنساناً آخر فمات،فالضمان على الإنسان الذي جعله كالآلة؛لأن هذا الذي أُخِذ وضرب به الآخر حتى مات كالآلة،فكأنه عصا ليس له أي اختيار] الشرح الممتع 14/91-93.
إذا تقرر هذا فإنه لا ضمان في الجنايات إلا بالمباشرة أو التسبب مع التعدي، وعليه فما ذكر في السؤال من وفاة العامل بسبب سقوطه أثناء عمله وأنه ليس لصاحب المنزل علاقة بسقوطه،ولم يكن موجوداً عند سقوطه،وبناءً على ذلك فلا ضمان على صاحب المنزل،لأنه غير مباشر لوفاة العامل كما أنه غير متسبب في وفاته،وبالتالي فمطالبة ذوي العامل الميت بديته من صاحب المنزل مطالبةٌ باطلةٌ شرعاً،فوفاة العامل كانت نتيجة فعل نفسه ولا علاقة لصاحب المنزل بذلك،وقد قرر الفقهاء أن فعل المضرور يعفي من المسؤولية الجنائية،قال الشيخ المرداوي الحنبلي:[قوله وإن أمر عاقلاً ينزل بئراً أو يصعد شجرةً فهلك بذلك لم يضمنه كما لو استأجره لذلك] الإنصاف 15/151. وقال ابن قدامة صاحب الشرح الكبير:[وإن أمر إنساناً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرةً فهلك بذلك لم يضمنه،لأنه لم يجن ولم يتعد] الشرح الكبير 9/506.
وجاء في القانون المدني الأردني المادة (261):[إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سببٍ أجنبي لا يدَ له فيه،كآفةٍ سماويةٍ أو حادثٍ فجائي أو قوةٍ قاهرةٍ أو فعل الغير أو فعل المتضرر كان غير ملزم بالضمان ما لم يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك]. وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بخصوص حوادث السير:[الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية،وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ،والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار،سواء في البدن أم المال،إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر،ولا يُعفى من المسؤولية إلا في الحالات التالية:1- إذا كان الحادث نتيجة لقوةٍ قاهرةٍ لا يستطيع دفعها،وتعذر عليه الاحتراز منها،وهي كل أمر عارضٍ خارجٍ عن تدخل الإنسان.2- إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة.3- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه، فيتحمل الغير المسؤولية] مجلة المجمع الفقهي العدد الثامن،الجزء الثاني ص 372. فقد أكد المجمع الفقهي أن من أسباب الإعفاء من المسؤولية الجنائية إذا كان الحادث بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة. وهذا العامل سقط بفعل نفسه ولم يسقطه أحدٌ، فوفاته كانت نتيجة فعله وليست نتيجة فعل غيره.
وخلاصة الأمر أن أسباب الضمان في الجنايات تنحصر في المباشرة وفي التسبب مع التعدي ولا ضمان إلا بذلك، وعليه فوفاة العامل نتيجة سقوطه أثناء العمل بدون مباشرةٍ أو تسببٍ من صاحب المنزل تعفيه من تحمل الدية،لأن فعل المضرور يعفي من المسؤولية الجنائية.تصفح شبكتنا
لكثرة المتغيرات اليومية في المجتمع الفلسطيني المسلم
وكثرة المستجدات في المسائل العلمية
كانت شبكة يسألونك الإسلامية
السؤال نصف العلم، وفي السؤال شفاء القلوب.
وراحة النفوس في الوقوف على الحلال والحرام.
وموقع يسألونك دليل التائهين وشفاء السائلين.
شبكة يسألونك الإسلامية
تحت إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
القدس - فلسطين المحتلة








