كيفية التوبة من الربا
يقول السائل: أخذت قرضاً بالفائدة من أحد البنوك الربوية،وأنا الآن نادمٌ على ذلك،فما الحكم و ماذا أفعل لأكفِّرَ عن ذنبي،أفيدونا؟
الجواب:حرمة الربا معلومةٌ من دين الإسلام بالضرورة،ولا يجهلها أحدٌ،والربا من كبائر الذنوب،وهو الذنب الوحيد الذي أعلن الله عز وجل الحرب على مرتكبه،وقد وردت فيه نصوصٌ كثيرةٌ منها:قول الله تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ}سورة البقرة الآيات 275-279.
وثبت في الحديث عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه،وقال:هم سواء)رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(اجتنبوا السبع الموبقات.قالوا:يا رسول الله وما هن؟قال:الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(الربا ثلاثةٌ وسبعون شعبةً،أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه)رواه الحاكم وصححه،وصححه أيضاً العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير 1/633.
وقال صلى الله عليه وسلم:(درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم،أشد عند الله من ست وثلاثين زنية]رواه أحمد وقال الهيثمي:رجاله رجال الصحيح.مجمع الزوائد 4/117،وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 3/29.
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى:{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ}[هذا وعيدٌ إن لم يذروا الربا،والحربُ داعيةُ القتل.وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا:خذ سلاحك للحرب.وقال ابن عباس أيضاً:من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحقٌ على إمام المسلمين أن يستتيبه،فإن نزع وإلا ضرب عنقه.وقال قتادة:أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجاً-الشيء المباح- أينما ثقفوا.وقيل:المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حربٌ لله ولرسوله،أي أعداء.وقال ابن خويز منداد:ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالاً كانوا مرتدين،والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة،وإن لم يكن ذلك منهم استحلالاً جاز للإمام محاربتهم،ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال:{فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ}]تفسير القرطبي 3/363.
وقال الإمام السرخسي:[وقد ذكر الله تعالى لآكل الربا خمساً من العقوبات:أحدها:التخبط قال الله تعالى:{لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}والثاني:المحق قال الله تعالى:{يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا}والمراد:الهلاك والاستئصال،وقيل:ذهاب البركة والاستمتاع،حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعده.والثالث:الحرب.قال الله تعالى:{فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ}والرابع:الكفر قال الله تعالى:{وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} وقال تعالى:{وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}أي:كفَّارٌ باستحلال الربا أثيمٌ فاجرٌ بأكل الربا،والخامس:الخلود في النار.قال الله تعالى:{وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}]المبسوط 12/109-110.
ولا شك أن عاقبة المرابين تؤول إلى المحق والخسارة،وهذا واقعٌ مشاهدٌ ومتكررٌ مع المرابين،{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا}
وكيف لا يكون المحق والسحق والمرابي قد دخل في حرب مع الله عز وجل!ومن يطيق حرب الله جل جلاله!وعلى الإنسان المسلم أن يتعظ ويعتبر بما حصل لكثيرٍ من المرابين،والسعيد من اتعظ بغيره،والشقي من اتعظ بنفسه،فبعد أن كانت أموالهم وافرةً كثيرةً،صاروا مفلسين خاسرين يضربون يداً بيد،وهكذا الربا يصنع بصاحبه،فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:(ما أحدٌ أكثرَ من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قِلةٍ)رواه ابن ماجة،والحاكم وقال:صحيح الإسناد،
وفي لفظ له قال:(الربا وإن كَثُرَ فإن عاقبته إلى قِلٍّ)وقال صحيح الإسناد،وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم 3542 وبرقم 5518.
إذا تقررت خطورة الربا،فإن الواجب على من تورَّط فيه أن يبادر بالتوبة إلى الله عز وجل،فالتوبة واجبة على العاصي لقوله تعالى:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}سورة النور الآية 31.وقال الله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا}سورة التحريم الآية 8.وقال الله تعالى{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}سورة الزمر الآية 53.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 2/418.
وعن أنس رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كل بني آدم خطَّاء،وخير الخطائين التوابون)رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي،وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 2/418.
ولا بد من التذكير بأن التوبة الصادقة لا بد لها من شروط:
[وشروط التوبة الخمسة هي:
الشرط الأول:الإخلاص لله بتوبته،بأن لا يكون الحاملُ له على التوبة رياءٌ أو سمعةٌ،أو خوفاً من مخلوق،أو رجاءً لأمرٍ يناله من الدنيا،فإذا أخلص توبته لله وصار الحامل له عليها تقوى الله عز وجل والخوف من عقابه ورجاء ثوابه،فقد أخلص لله تعالى فيها.
الشرط الثاني:أن يندم على ما فعل من الذنب،بحيث يجد في نفسه حسرةً وحزناً على ما مضى،ويراه أمراً كبيراً يجب عليه أن يتخلص منه.
الشرط الثالث:أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه؛فإن كان ذنبه تَرْكَ واجبٍ قام بفعله وتَدَارَكَه إن أمكن،وإن كان ذنبُه بإتيانِ محرمٍ أقلع عنه،وابتعد عنه،ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بالمخلوقين،فإنه يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها.
الشرط الرابع:العزم على أن لا يعود في المستقبل،بأن يكون في قلبه عزمٌ مؤكدٌ ألا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها.
الشرط الخامس:أن تكون التوبة في وقت القبول،فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل،وفوات وقت القبول عامٌ وخاصٌ:أما العام؛فإنه طلوع الشمس من مغربها،فالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل،لقول الله تعالى:{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ}سورة الأنعام الآية 158.وأما الخاص؛فهو حضورُ الأجل،فإذا حضر الأجلُ فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى:{وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ}سورة النساء الآية 18] مجموع فتاوى الشيخ العثيمين 2/152.
وبناءً على ذلك فالمطلوب من أطراف العملية الربوية أن يتوبوا وفق الشروط السابقة،وتوضيح ذلك كما يلي:
أولاً:المرابي:وهو الذي يأخذ مال الربا،فعليه أن يسقط الربا عن الناس لقوله تعال:{وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا }وله أن يسترجع رأس ماله فقط،كما قال الله تعالى:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ}
وورد في الحديث عن عمرو بن الأحوص رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول:(ألا إن كل رباً من ربا الجاهلية موضوعٌ،لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)رواه أبو داود وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود2/641.
قال القرطبي:[فردَّهم تعالى مع التوبة إلى رءوس أموالهم،وقال لهم لا تظلمون في أخذ الربا،ولا تظلمون في أن يتمسك بشيء من رءوس أموالكم فتذهب أموالكم]تفسير القرطبي 3/365.
وإذا قبض المرابي الأموال الربوية وهي ما زالت موجودة عنده،فالواجب أن يُعيد المال الحرام إلى أصحابه إن عرفهم،وإلا فعليه أن يتخلص من هذا المال الحرام،ومصرفه هو إنفاقه على الفقراء والمحتاجين ومصارف الخير كدور الأيتام والمؤسسات الاجتماعية ونحوها.وأما إذا أنفقها فهي معفوٌ عنها وليس عليه إخراج مثلها،لقول تعالى:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}فالله سبحانه وتعالى لم يأمر بردِّ المقبوض بعقد الربا بعد التوبة،وإنما أمر برد الربا الذي لم يقبض.
ثانياً:المقترض بالربا:فالواجب عليه أن يتخلص من الربا بأن يسدد ما في ذمته من الربا دفعةً واحدةً إن أمكنه ذلك،وإلا فعلى أقساط،ولو بالاقتراض الحسن أو ببيع بعض ممتلكاته التي يمكن الاستغناء عنها.
ثالثاً:أطراف العملية الربوية الآخرون وهم:كاتب الربا-موظف البنك الربوي-والشاهد والكفيل وكل من له علاقة بالربا،كمؤجر العقار للبنوك الربوية ومقدم الخدمات لها، فهؤلاء وأمثالهم الواجب عليهم التوبة عن جرمهم بشروطها السابقة.
ومطلوب من هؤلاء جميعاً أن يكثروا من الاستغفار ومن فعل الخيرات والصدقات،يقول الله تعالى:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى}سورة طـه الآية82.
وخلاصة الأمر أن الربا من الكبائر،وأن الله عز وجل أعلن الحرب على أهل الربا،وعاقبة المرابين تؤول إلى المحق والخسارة،والواجب على من وقع في هذا الجرم الكبير أن يبادر بالتوبة إلى الله عز وجل بشروط التوبة السابقة،والمطلوب من أطراف العملية الربوية أن يطهروا أنفسهم من رجسها بالتفصيل المذكور أعلاه.تصفح شبكتنا
لكثرة المتغيرات اليومية في المجتمع الفلسطيني المسلم
وكثرة المستجدات في المسائل العلمية
كانت شبكة يسألونك الإسلامية
السؤال نصف العلم، وفي السؤال شفاء القلوب.
وراحة النفوس في الوقوف على الحلال والحرام.
وموقع يسألونك دليل التائهين وشفاء السائلين.
شبكة يسألونك الإسلامية
تحت إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
القدس - فلسطين المحتلة








