1. Skip to Menu
  2. Skip to Content
  3. Skip to Footer>

ضوابط المدح والذم

PDF طباعة إرسال إلى صديق

الجمعة, 02 سبتمبر 2011 03:47

يقول السائل:ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بحثو التراب في وجوه المدَّاحين، فما المقصود بهذا الحديث ،أفيدونا؟

الجواب: روى الإمام مسلم في صحيحه عن المقداد بن عمرو رضي الله عنه قال:(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المدَّاحين التراب).

والمراد من هذا الحديث هو النهي عن المبالغة في المدح حيث إن لفظة المدَّاحين الواردة في الحديث صيغة مبالغة من المدح.

ومن أهل العلم من حمل الحديث على ظاهره، قال الإمام النووي:[هذا الحديث قد حمله على ظاهره المقداد الذي هو راويه،ووافقه طائفة،وكانوا يحثون التراب في وجهه حقيقةً،وقال آخرون معناه خيبوهم فلا تعطوهم شيئاً لمدحهم ] شرح النووي على صحيح مسلم 4/2297.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ وللعلماء فيه خمسة أقوال:

أحدها هذا وهو حمله على ظاهره واستعمله المقداد راوي الحديث،

والثاني الخيبة والحرمان كقولهم لمن رجع خائباً رجع وكفه مملوءة تراباً.

والثالث قولوا له بفيك التراب، والعرب تستعمل ذلك لمن تكره قوله.

والرابع أن ذلك يتعلق بالممدوح كأن يأخذ تراباً فيبذره بين يديه يتذكر بذلك مصيره إليه فلا يطغى بالمدح الذي سمعه.

والخامس المراد بحثو التراب في وجه المادح إعطاؤه ما طلب،لأن كل الذي فوق التراب تراب، وبهذا جزم البيضاوي وقال:شُبِّه الإعطاء بالحثي على سبيل الترشيح والمبالغة في التقليل والاستهانة،قال الطيبي:ويحتمل أن يُراد رفعه عنه وقطع لسانه عن عرضه بما يرضيه من الرضخ، والدافع قد يدفع خصمه بحثي التراب على وجهه استهانة به] فتح الباري17/225.

ويؤخذ من هذا الحديث وما ورد بمعناه مجموعة ضوابط للمدح والذم منها

:أولاً:المدح المنهي عنه هو ما كان فيه مبالغة، أو يؤدي إلى غرور الممدوح وإعجابه بنفسه، قال الإمام البخاري في صحيحه(باب ما يكره من التمادح) وقال أيضاً (ما يكره من الإطناب في المدح)

وروى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال:أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبي صلى الله عليه وسلم،فقال:ويلك قطعت عُنُقَ صاحبك، قطعت عنق صاحبك مراراً،ثم قال:من كان منكم مادِحاً أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانا والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً،أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه.)

[قال ابن بطال:حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك المنزلة، فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالاً على ما وصف به، ولذلك تأول العلماء في الحديث الآخر (احثوا في وجوه المدَّاحين التراب) أن المراد من يمدح الناس في وجوههم بالباطل، وقال عمر: المدح هو الذبح.قال:وأما من مدح بما فيه فلا يدخل في النهي، فقد مدح صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجه مادحه تراباً] فتح الباري 17/225.

وقال الحافظ ابن حجر أيضاً:[وقد ضبط العلماء المبالغة الجائزة من المبالغة الممنوعة بأن الجائزة يصحبها شرط أو تقريب ، والممنوعة بخلافها] المصدر السابق.

ثانياً:أن لا يمدح الإنسانُ نفسَه ويزكيها،[ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجوز للإنسان في الجملة أن يمدح نفسه وأن يزكيها قال العز ابن عبد السلام:ومدحك نفسك أقبح من مدحك غيرك,فإن غلط الإنسان في حق نفسه أكثر من غلطه في حق غيره،فإن حبك الشيء يعمي ويصم,ولا شيء أحب إلى الإنسان من نفسه,ولذلك يرى عيوب غيره ولا يرى عيوب نفسه,ويعذر به نفسه بما لا يعذر به غيره وقد قال الله تعالى:{ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }سورة النجم الآية 32، وقال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ}سورة النساء الآية 49] الموسوعة الفقهية الكويتية 38/278.

ثالثاً:أن لا يمدح الظلمة والفسقة والكفرة، فقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإنه إن يكُ سيدكم فقد أسخطتم ربكم عز وجل) رواه الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة1/645.فالأصل في المسلم أن يعظم ما عظَّمه الله عز وجل وعظَّمه رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:{ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}سورة الحج الآية 32. ويقول تعالى:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه} سورة الحج الآية 30.

ولا يجوز للمسلم أن يعظَّم غير ما عظَّمه دينه، بل أهانه لفسقه وفجوره، ويدخل في ذلك تعظيم المنافقين، وكذا تعظيم الفاسدين والمفسدين والفاسقين والظالمين والكافرين، الذين يحاربون الله ورسوله ويحاربون شرع الله ودينه، ويقتلون المسلمين ويذبحونهم وينتهكون حرمات الله ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فهؤلاء أهلٌ للإهانة والازدراء، وليسوا أهلاً للتعظيم والتبجيل، وتعظيم أعداء الله وحبهم ومودتهم له ارتباط وثيق بعقيدة الولاء والبراء في دين الإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/94.

وقال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي:[إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة] الآداب الشرعية 1/299.

وقال الحسن البصري:[ من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصى الله تعالى في أرضه.والظالم الفاسق ينبغي أن يذم ليغتم, ولا يمدح ليفرح.] ذكره الغزالي في الإحياء.

وقال الخادمي:[أن لا يكون الممدوح فاسقاً,فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الله عز وجل يغضب إذا مُدح الفاسق) وإنما يغضب الله لأنه تعالى أمر بمجانبته وإبعاده,فمن مدحه فقد وصل ما أمر الله به أن يقطع ووادَّ من حادَّ الله,مع ما في مدحه من استحسان فسقه وإغرائه على إدامته] الموسوعة الفقهية الكويتية 38/276.

ومما يزيد مدح الظلمة والفسقة والكفرة بشاعةً وسوءً أن يصدر المدح عن العلماء وعن المنتسبين للعلم الشرعي كما هو حاصل من بعض علماء السوء الذين يكيلون المديح للحكام الظلمة، ويطلقون عليهم أوصافاً فيها مجازفات ومبالغات ممجوجة، وكأن الكلام يقال في عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز أو صلاح الدين الأيوبي!!؟

فثناء العلماء والمنتسبين للعلم الشرعي على الظلمة والفسقة والكفرة لا يبشر بخير وعلامة سوء وانحراف عند المدَّاحين.

رابعاً:أن لا يشتمل المدح على الكذب، فالكذب محرم شرعاً، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجلُ يصدق حتى يُكتبَ عند الله صِدِّيقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجلُ يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذَّاباً) رواه البخاري ومسلم.

خامساً: المدح والذم يكونان وفق الضوابط الشرعية، فلا يمدح ولا يذم بناءً على الهوى والتشهي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[الأسماء التي يتعلق بها المدح والذم من الدين لا تكون إلا من الأسماء التي أنزل الله بها سلطانه ودل عليها الكتاب والسنة والإجماع كالمؤمن والكافر والعالم والجاهل والمقتص والملحد...فأما الأسماء التي لم يدل الشرع على ذم أهلها، ولا مدحهم فيحتاج فيها إلى مقامين، أحدهما بيان المراد بها،والثاني بيان أن أولئك مذمومون في الشريعة] مجموع الفتاوى 4/146.

سادساً: لا يذم العلماء في أخطائهم وزللهم، لأنها صادرة عن اجتهاد، فلا يجوز سب العلماء وشتمهم بسبب ذلك، قال الإمام الذهبي:[ إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه، تغفر له زلته، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم! ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك ]سير أعلام النبلاء 5/271.

وختاماً أختصر ما فصَّله أبو حامد الغزالي من آفات المدح[والمدح يدخله ست آفات أربع في المادح واثنتان في الممدوح، فأما المادح، فالأولى أنه قد يفرط فينتهي به إلى الكذب...والثانية أنه قد يدخله الرياء...الثالثة أنه قد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الاطلاع عليه...الرابعة أنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق،وذلك غير جائز...وأما الممدوح فيضره من وجهين: أحدهما أنه يحدث فيه كبراً وإعجاباً وهما مهلكان...الثاني هو أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضي عن نفسه، ومن أعجب بنفسه قلَّ تشمره، وإنما يتشمر للعمل من يرى نفسه مقصراً، فأما إذا انطلقت الألسن بالثناء عليه ظن أنه قد أدرك] إحياء علوم الدين4/274-275.

وخلاصة الأمر أن المدح والذم لا بد أن يضبطا بالضوابط الشرعية، والحديث المذكور في السؤال حديث صحيح والمراد منه النهي عن المبالغة في المدح، وقيل غير ذلك كما هو مفصلٌ في الجواب أعلاه.

 

تابعونا على

شبكة محبي الدكتور حسام الدين عفانه شبكة يسألونك على اليوتيوب

درس الشيخ الإسبوعي
شرح باب المعاملات من كتاب نيل الأوطار للإمام الشوكاني

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 22 زائر متصل

تسجيل الدخول

تذكرني

لأفضل تصفح

إنترنت إكسبلورر8Firefox 3.5
قم بالتحديث لآخر إصدارة

لكثرة المتغيرات اليومية في المجتمع الفلسطيني المسلم

وكثرة المستجدات في المسائل العلمية

كانت شبكة يسألونك الإسلامية

السؤال نصف العلم، وفي السؤال شفاء القلوب.

وراحة النفوس في الوقوف  على الحلال والحرام.

وموقع يسألونك دليل التائهين وشفاء السائلين.

شبكة يسألونك الإسلامية

تحت إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة

القدس - فلسطين المحتلة