التفاضلُ بين الذكر والأنثى في العقيقة ثابتٌ بالسنة النبوية الصحيحة
يقول السائل:إنه قرأ كلاماً لبعض الكاتبين يزعم فيه أن الأحاديث الصحيحة الواردة في العقيقة، لم تشر إلى شاتين في العقيقة للذكر باستثناء حديث عائشة، فلو كانت عقيقة الذكر شاتين لأكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في كل الأحاديث، وأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يؤكد عدم التفريق بين الذكر والأنثى، فقد عق الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين بكبشٍ لكل واحد. فما قولكم في ذلك،أفيدونا.
الجواب:العقيقة هي:الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سابعه شكراً لله سبحانه وتعالى على نعمة الولد ذكراً كان أو أنثى،
وهي سنة مؤكدة، وقد ثبتت مشروعية العقيقة بالسنة النبوية من قول النبي صلى الله عليه وسلم ومن فعله،
فمن ذلك ما رواه الإمام البخاري بسنده عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى ).
وعن سَمُرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كل غلامٍ رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمَّى) رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي:حسن صحيح. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 4/385.
وقد ثبتت المفاضلة بين الذكر والأنثى في العقيقة، فالسنة أن يُعق عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة، وهذه المفاضلة ثابتة بعدة أحاديث،وليس كما زعم القائل أن المفاضلة وردت في حديث عائشة رضي الله عنها فقط، بل ورد ذلك عن عدد من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وقد ذكر الإمام الترمذي تسعة من الصحابة الذين رووا المفاضلة بين الذكر والأنثى في العقيقة فقال:[ حدثنا يحيى...عن يوسف بن ماهك: أنهم دخلوا على حفصة بنت عبد الرحمن فسألوها عن العقيقة فأخبرتهم أن عائشة أخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة)، قال الإمام الترمذي:وفي الباب عن علي وأم كرز وبريدة وسمرة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأنس وسلمان بن عامر وابن عباس] سنن الترمذي 4/81،
وهذه هي الأحاديث:
1- عن أم كُرْز الكعبيـة رضي الله عنهـا قـالت: سمعت رسـول الله صلى الله عليه وسلم يقـول:( عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة ) رواه أبو داود وأحمد والبيهقي. قال الإمام النووي:[ قوله صلى الله عليه وسلم:(شاتان مكافئتان)أي متساويتان، وهو بكسر الفاء وبهمزة بعدها] المجموع 8/429. وفي رواية أخرى لحديث أم كرز أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال:(نعم عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحدة،لا يضركم ذكراناً أم إناثاً) رواه أصحاب السنن،وقال الترمذي:هذا حديث حسن صحيح.وصححه الحاكم ووافقه الذهبي،وصححه أيضاً النووي والألباني والأرناؤوط،انظر المجموع 8/428، الإحسان12/128، إرواء الغليل 4/391، سنن البيهقي 9/200.
2- عن يوسف بن ماهك قال: دخلنا على حفصة بنت عبد الرحمن فسألناها عن العقيقة فأخبرتنا أن عائشة أخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(عن الغلام شاتـان وعن الجاريـة شـاة)رواه ابن حبان وأحمد والترمذي وابن ماجة، وقال الأرناؤوط:إسناده صحيح، الإحسان 12/126. وفي رواية أخرى للحديث السابق:(أن عائشة أخبرتهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم عن الـغـلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) رواه الترمذي وقال:حسن صحيح. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 4/389.
3- عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(العقيقة حق عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) قال الهيثمي رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله محتج بهم، مجمع الزوائد 4/57.
4- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(للغلام عقيقتان وللجارية عقيقة)رواه البزار والطبراني وقال العلامة الألباني:أخرجه الطحاوي بسند جيد في الشواهد وذكر أن طريق الطحاوي سالمة من الضعف، إرواء الغليل 4/392.
5- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن اليهود تعق عن الغلام ولا تعق عن الجارية، فعقوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة) قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد 4/58.
6- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:(سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة،فقال:لا أحب العقوق، وكأنه كره الاسم.فقالوا:يا رسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له.قال:من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة)رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وقال:صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال العلامة الألباني:حسن صحيح .وحسنه الأرناؤوط .صحيح سنن النسائي 3/884، الإحسان 12/132.
7- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(عن الغلام عقيقتان وعن الجارية عقيقة) رواه الطحاوي والبزار والطبراني في الكبير وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل 4/362. وفي رواية أخرى لحديث ابن عباس:(أن الرسول صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين) رواه النسائي وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 4/380.
8- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:(عقَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسن وحسين بكبشين)رواه ابن حبان والطحاوي وصححه عبدالحق في الأحكام الكبرى، وقال الهيثمي:رجاله رجال الصحيح.إرواء الغليل 4/382، مجمع الزوائد 4/58.
9- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:(أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين عن كل واحدٍ منهما كبشين اثنين مثلين متكافئين) قال الأرناؤوط:أخرجه الحاكم بسند حسن في الشواهد، الإحسان 12/130.
وهذه الأحاديث تكفي لإثبات التفاضل بين الذكر والأنثى في العقيقة،
وقد علل العلامة ابن القيم هذا التفاضل بين الذكر والأنثى بقوله:[ وهذه قاعدة الشريعة، فإن الله سبحانه وتعالى فاضل بين الذكر والأنثى، وجعل الأنثى على النصف من الذكر في المواريث والديات والشهادات والعتق والعقيقة، كما رواه الترمذي وصححه من حديث أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( أيما امرئٍ مسلمٍ أعتق مسلماً كان فكاكه من النار، يجزئ كل عضو منه عضواً منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ كل عضو منهما عضواً منه) وفي مسند الإمام أحمد من حديث مرة بن كعب السلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم:(أيما رجلٍ أعتق رجلاً مسلماً كان فكاكه من النار يجزئ بكل عضو من أعضائه عضواً من أعضائه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزئ بكل عضو من أعضائها عضواً من أعضائها) رواه أبو داود في السنن، فجرت المفاضلة في العقيقة هذا المجرى لو لم يكن فيها سنة، كيف والسنن الثابتة صريحة بالتفضيل] تحفة المودود ص 53-54.
وقال ابن القيم أيضاً:[ إن الله سبحانه وتعالى فضَّل الذكر على الأنثى كما قال:{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى}سورة آل عمران الآية 36، ومقتضى هذا التفاضل ترجيحه عليها في الأحكام، وقد جاءت الشريعة بهذا التفضيل في جعل الذكر كالأنثيين في الشهادة والميراث والدية، فكذلك ألحقت العقيقة بهذه الأحكام ] زاد المعاد 2/331.
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر طائفة من الأحاديث السابقة:[ وهذه الأحاديث حجة للجمهور في التفرقة بين الغلام والجارية، وعن مالك هما سواء فيعق عن كل واحدٍ منهما شاة، واحتج له بما جاء (أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً) أخرجه أبو داود، ولا حجة فيه، فقد أخرجه أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ ( كبشين كبشين ) وأخرج أيضاً من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله، وعلى تقدير ثبوت رواية أبي داود فليس في الحديث ما يرد به الأحاديث المتواردة في التنصيص على التثنية للغلام، بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار وهو كذلك، فإن العدد ليس شرطاً بل مستحب. وذكر الحليمي أن الحكمة في كون الأنثى على النصف من الذكر أن المقصود استبقاء النفس فأشبهت الدية، وقواه ابن القيم بالحديث الوارد في أن من أعتق ذكراً أعتق كل عضو منه ومن أعتق جاريتين كذلك إلى غير ذلك مما ورد فيحتمل أن يكون في ذلك الوقت ما تيسر العدد ] فتح الباري 12/10.
وخلاصة الأمر أن المفاضلة في العقيقة بين الذكر والأنثى هي السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن دعوى الكاتب أن المفاضلة وردت في حديثٍ واحدٍ فقط، دعوى باطلة، وأن الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عق عن الحسن والحسين بكبشين لكل منهما، وهذه الرواية مرجحة على الرواية الأخرى بالعق بواحدة لكل منهما، وأرى أن التفاضل هو الذي ينبغي الأخذ به والاعتماد عليه، لأن الرواية تضمنت زيادة على ما قبلها، وزيادة الثقة مقبولة، لا سيما إذا جاءت من طرق مختلفة المخارج كما هو الشأن هنا. ولإنها توافق الأحاديث الأخرى القولية في الباب، والتي تشرع العق عن الذكر بشاتين. ولأن الأحاديث التي ذكرت شاتين عن الغلام من قول النبي صلى الله عليه وسلم والتي ذكرت شاة عن الغلام من فعله، وإذا تعارض القول والفعل، فالقول مقدمٌ على الفعل، لأن القول عامٌ، وفعله يحتمل الاختصاص به صلى الله عليه وسلم، ولأن قصة الذبح عن الحسن والحسين كانت عام أحد والعام الذي بعده، والذي ثبت عن أم كرزٍ أنها سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أي سنة ست للهجرة، فقد روى ابن حزم بسنده عن أم كرز قالت:( أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية أسأله عن لحوم الهدي فسمعته يقول:على الغلام شاتان وعلى الجارية شاة، لا يضركم ذكراناً كانت أم إناثاً)فيؤخذ من هذا أن حديث أم كرز متأخرٌ عن قصة العقيقة عن الحسن والحسين، فيكون الحكـم للقـول المتـأخر لا للفعـل المتقدم. ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث فيكون الأكمل والأفضل في العقيقة ذبح شاتين عن الغلام، وإن لم يتيسر ذلك أو اقتصر على شاة واحدة عن الغلام أجزأ وحصل المقصود بهذه السنة.تصفح شبكتنا
لكثرة المتغيرات اليومية في المجتمع الفلسطيني المسلم
وكثرة المستجدات في المسائل العلمية
كانت شبكة يسألونك الإسلامية
السؤال نصف العلم، وفي السؤال شفاء القلوب.
وراحة النفوس في الوقوف على الحلال والحرام.
وموقع يسألونك دليل التائهين وشفاء السائلين.
شبكة يسألونك الإسلامية
تحت إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
القدس - فلسطين المحتلة








