حديث " من أمَّ قوماً وهم له كارهون" وضوابط الكره المعتبرة شرعاً
يقول السائل: ما ضوابط كره المأمومين للإمام الوارد في قول النبي صلى الله عليه وسلم:(ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قومٍ وهم له كارهون) ؟ أفيدونا.
الجواب: لا شك أن إمامة الصلاة من خيرة الأعمال، فيتولاها خير الناس قراءةً وعلماً وأخلاقاً وعدالةً وحسن سلوك وأدب، قال الإمام أحمد:[ومن الحقِّ الواجب على المسلمين: أن يُقدِّموا خيارهم وأهل الدين والأفضل منهم، أهل العلم بالله الذين يخافون الله ويراقبونه]رسالة الإمام أحمد في الصلاة ص14.
وقال الإمام السرخسي:[والأصل فيه: أنَّ مكانة الإمامة ميراث من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أول من تقدَّم للإمامة، فَيُختار لها مَن يكون أشبه به خَلْقاً وخُلُقاً، ثم هو مكان استُنبط منه الخلافة، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا أمر أبا بكر رضي الله عنه أنْ يُصلي بالناس، قالت الصحابة رضي الله عنهم بعد موته صلى الله عليه وسلم:إنه اختار أبا بكر لأمر دينكم، فهو المُختار لأمر دنياكم، فإنما يختار لهذا المكان من هو أعظم في الناس] المبسوط 1/40.
وقال الإمام الماوردي:[ينبغي أن يَتقدَّم إلى الإمامة مَنْ جَمَعَ أوصافها، وهي خمسة: القراءة، والفقه، والنسب، والسنّ،والهجرة، بعد صحَّة الدين وحسن الاعتقاد، فمَنْ جمعها وكملت فيه، فهو أحقُّ بالإمامة ممَّن أخلَّ ببعضها، لأنَّ الإمامة منزلة اتباع واقتداء، فاقتضى أن يكون متحمِّلها كامل الأوصاف المعتبرة فيها، فإن لم تجتمع في واحدٍ، فأحقُّهم بالإمامة من اختصَّ بأفضلها] الحاوي الكبير 2/352، وانظر رسالة حكم إمامة وأذان المُجاهر بالمعصية لعبد الرحمن الشثري ص7.
وقد ذكر الفقهاء في كتبهم تفصيل شروط إمام الصلاة، ومنها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، فاشترطوا أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً ذكراً، فلا تصح إمامة المرأة للرجال، وأن يكون سالماً من البدع المكفرة وأن يكون قادراً على القراءة، وسالماً من الأعذار، وقادراً على توفية أركان الصلاة، وغير ذلك، انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 6/201-207.
والأصل في الأحق بالإمامة ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً، ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم.
وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) رواه مسلم.
إذا تقرر هذا فأعود إلى الحديث الذي ذكره السائل، فقد روى الإمام الترمذي بإسناده عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(ثلاثةٌ لا تجاوز صلاتهم آذانَهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأةٌ باتت وزوجُها عليها ساخط، وإمامُ قومٍ وهم له كارهون) وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 1/328.
وعن طلحة بن عبد الله رضي الله عنهما أنه صلَّى بقومٍ فلما انصرف قال: إني نسيت أن أستأمركم قبل أن أتقدم أرضيتم بصلاتي؟ قالوا: نعم، ومن يكره ذلك يا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( أيما رجلٍ أمَّ قوماَ وهم له كارهون لم تجاوز صلاته أذنيه) رواه الطبراني في الكبير، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 1/328.
وعن عطاء بن دينار الهذلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( ثلاثةٌ لا يقبل الله منهم صلاة ولا تصعد إلى السماء ولا تجاوز رؤوسهم: رجلٌ أمَّ قوماً وهم له كارهون، ورجلٌ صلى على جنازة ولم يؤمر، وامرأةٌ دعاها زوجها من الليل فأبت عليه) رواه ابن خزيمة في صحيحه، وقال العلامة الألباني صحيح لغيره.صحيح الترغيب1/328. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(ثلاثةٌ لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجلٌ أمَّ قوماً وهم له كارهون، وامرأةٌ باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان) رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه، وقال العراقي: إسناده حسن كما نقله الشوكاني في نيل الأوطار 3/201. ومعنى متصارمان أي متخاصمان. وغير ذلك من الأحاديث.
وقد قرر أهل العلم أن كره المصلين للإمام الوارد في الأحاديث، هو الكره المبني على أسبابٍ شرعيةٍ للكره، وليس كرهاً مبنياً على الأهواء أو لأمورٍ دنيوية، قال الإمام الترمذي:[وقد كره قوم من أهل العلم أن يؤم الرجلُ قوماً وهم له كارهون، فإذا كان الإمام غير ظالم، فإنما الإثم على من كرهه، وقال أحمد وإسحق في هذا إذا كره واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس أن يصلي به من حتى يكرهه أكثر القوم] سنن الترمذي 2/191.
وقال ابن العربي المالكي:[ وأما الإمام للقوم وهم يكرهونه، فقال قومٌ: هو الإمام الجائر وهو ملعون، ولا يمتنع أن يكون إمام الصلاة مثله إذا كان فاجراً، فإن كان ذلك من ظلم الجماعة له وهو على طريقة حسنة لم يدخل في الذم.] عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي 2/132.
وقال ابن الملك الحنفي:[ كارهون لبدعته أو فسقه أو جهله، أما إذا كان بينه وبينهم كراهة عداوة بسبب أمرٍٍ دنيوي فلا يكون له هذا الحكم] تحفة الأحوذي 2/288.
وقال الإمام النووي:[ قال أصحابنا وإنما تكره إمامته إذا كرهوه لمعنىً مذمومٍ شرعاً كوالٍ ظالم، وكمن تغلب على إمامة الصلاة ولا يستحقها، أو لا يتصون من النجاسات، أو يمحق هيئات الصلاة، أو يتعاطى معيشةً مذمومةً، أو يعاشر أهل الفسوق ونحوهم أو شبه ذلك، فإن لم يكن شيءٌ من ذلك فلا كراهة، والعتب على من كرهه] المجموع 4/275-276.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ يكره أن يؤم قوماً أكثرهم له كارهون، لما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ثلاثةٌ لا تجاوز صلاتهم آذانهم...وقال علي رضي الله عنه لرجلٍ أمَّ قوماً وهم له كارهون، إنك لخروط) قال أحمد رحمه الله: إذا كرهه واحدٌ أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس حتى يكرهه أكثر القوم، وإن كان ذا دين وسنة فكرهه القوم لذلك لم تكره إمامتهم، قال منصور: أما إنا سألنا أمر الإمامة فقيل لنا إنما عني بهذا الظلمة، فأما من أقام السنة فإنما الإثم على من كرهه] المغني 2/57.
وقال الإمام الشوكاني:[ وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضاً فينتهض للاستدلال بها على تحريم أن يكون الرجل إماماً لقومٍ يكرهونه، ويدل على التحريم نفي قبول الصلاة، وأنها لا تجاوز آذان المصلين ولعن الفاعل لذلك. وقد ذهب إلى التحريم قومٌ، وإلى الكراهة آخرون...وقد قيد ذلك جماعة من أهل العلم بالكراهة الدينية لسببٍ شرعيٍ، فأما الكراهة لغير الدين، فلا عبرة بها، وقيدوه أيضا بأن يكون الكارهون أكثر المأمومين، ولا اعتبار بكراهة الواحد والاثنين والثلاثة إذا كان المؤتمون جمعاً كثيراً، إلا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، فإن كراهتهم أو كراهة أكثرهم معتبرة. وحمل الشافعي الحديث على إمام غير الوالي لأن الغالب كراهة ولاة الأمر. وظاهر الحديث عدم الفرق، والاعتبار بكراهة أهل الدين دون غيرهم، حتى قال الغزالي في الإحياء: لو كان الأقل من أهل الدين يكرهونه فالنظر إليهم] نيل الأوطار 3/201.
ولا شك أن محبة الناس لإمامهم أدعى لقبول قوله والثقة به فيما يقول[ ومحبة الناس لإمامهم مبنية على ثقتهم به، وعظم مكانته عندهم، ومن ثمرات ذلك تأثير الإمام في المأمومين واستماعهم لتوجيهاته، وانشراح صدورهم لما يقوله أو يريده منهم، وهذا -في تقديري- يُعدُّ جزءً مهما من مسئولية الإمام، فالمصلون يثقون بالإمام الكفء، صاحب السيرة الحميدة، والخلق الحسن، الذي يقول ويعمل، ويلتزم في أقواله وأعماله هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ويقتدي به في خلقه الحسن، وصفاته العظيمة من الصبر، والشفقة، والحلم والعدل، والكرم، والحياء والصدق، وسائر الأخلاق الحميدة. وبعض الأئمة إذا حصل كرهٌ من الجماعة لإمامته لا يهتم بذلك، وهذا وإن لم يكن معتبراً على كل حال إلا أنه قد يكون الباعث على هذا الكره أمراً وجيهاً، وليس لأمرٍ دنيوي، كأن يجرب عليه الجماعة كذباً في الحديث، أو بخلاً، أو خلفاً في الوعد، أو جوراً في الخصومة، أو سوء معاملة، أو سوء جوار، أو فحشاً في القول، أو تعاملاً بربا أو بغش أو مكر ٍواحتيال، ونحو ذلك مما يقع أحياناً فيه بعض الأئمة من مجاراة العصاة في سلوكهم أو منازلهم أو علاقاتهم. وهنا تعظم المسئولية، وعلى الإمام أن يعيد النظر في شأنه بنفسه فقد ثبت عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:( ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قوماً وهم له كارهون، ورجلٌ أتى الصلاة دباراً، والدبار أن يأتي بعد أن يفوته الوقت - ورجل اعتبد محرره ).
قال الخطابي رحمه الله: [يشبه أن يكون هذا الوعيد في الرجل ليس من أهل الإمامة فيتقحم فيها، ويتغلب عليها حتى يكره الناس إمامته، فأما إن كان مستحقاً للإمامة فاللوم على من كرهه دونه.
وشكى رجلٌ إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان يصلي بقومٍ وهم له كارهون فقال: إنك لخروط، يريد متعسف في فعلك ولم يزده على ذلك.
وعندما سئل الإمام ابن تيمية رحمه الله عن رجلٍ يؤم قوماً وأكثرهم له كارهون. أجاب رحمه الله بقوله: إن كانوا يكرهون هذا الإمام لأمر في دينه: مثل كذبه أو ظلمه، أو جهله أو بدعته، ونحو ذلك، ويحبون الآخر لأنه أصلح في دينه منه مثل أن يكون أصدق وأعلم، وأدين فإنه يجب أن يولى عليهم هذا الإمام الذي يحبونه، وليس لذلك الإمام الذي يكرهونه أن يؤمهم مجموع الفتاوى 23/373... ثم ساق الحديث السابق الذي ورد في سنن أبي داود .وبناء على ما تقدم يتعين على الإمام الذي لا يريدونه إماماً لهم إن كان كره الجماعة لإمامته لسببٍ وجيه أن يعمل جاهداً على التخلص من هذا السبب، بتصحيح وضعه، وإزالة أسباب البغض له، لكي يؤدي رسالته، ويقوم بعمله على الوجه الصحيح. وقد رأينا من كره الناس إمامته لأسبابٍ وجيهةٍ وهو غير مكترثٍ بذلك مع ما بذل له من النصح إلا أنه أصر وعاند فمقته الناس، وربما صار فتنة للقوم الظالمين، وربما هجر المصلون حتى الذين فيهم خير وصلاح الصلاة في مسجده، وفي هذا من المفاسد ما لا يصح إغفاله وتجاهله، ولو قدر المسئولية حق قدرها لما وقع في مثل هذه الحال؛ لأنه إما أن يصحح وضعه بإزالة أسباب البغض الوجيهة سواء في أدائه لهذا العمل، أو في سلوكه خارج العمل، وإما أن يسلم العمل إلى من هو أفضل منه وأولى به] مسئولية إمام المسجد 1/36- 38.
وخلاصة الأمر أن كره المأمومين للإمام يجب أن يكون بناءً على موجبات شرعية معتبرة، كفسقه وسوء أدبه ومخالفته للأحكام الشرعية، كتعامله بالربا أو كونه كاذباً أو سارقاً ونحو ذلك من الصفات السيئة التي تطعن في مصداقية إمام المسجد. فالعبرة بالكره، الكره بناءً على سببٍ شرعيٍ وليس الكره القائم على أسباب دنيوية واتباعاً للأهواء والشهوات,فإذا كان الحال كذلك فقد كرهوه بغير حق فلا عبرة بكراهتهم.تصفح شبكتنا
لكثرة المتغيرات اليومية في المجتمع الفلسطيني المسلم
وكثرة المستجدات في المسائل العلمية
كانت شبكة يسألونك الإسلامية
السؤال نصف العلم، وفي السؤال شفاء القلوب.
وراحة النفوس في الوقوف على الحلال والحرام.
وموقع يسألونك دليل التائهين وشفاء السائلين.
شبكة يسألونك الإسلامية
تحت إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
القدس - فلسطين المحتلة








