حكم زراعة الأشجار والورود على المقابر
يقول السائل: ما قولكم في زراعة الأشجار والورود على المقابر،أفيدونا؟
الجواب:المقابر ليست حدائق ولا متنزهات وإنما هي محل للاتعاظ والاعتبار،والناس يذهبون إلى المقابر عند دفن الأموات وزيارتهم،ولا يذهب الناس للقبور للتنزه والتمتع بالأشجار والرياحين والورود،
لذلك فإن كل ما يخل بمقاصد زيارة القبور،ممنوعٌ شرعاً،ورد في الحديث عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور،فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة،ولتزدكم زيارتها خيراً،فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هَجراً)رواه مسلم.
قال الإمام النووي:[والهَجر:الكلام الباطل،وكان النهي أولاً لقرب عهدهم من الجاهلية فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل،فلما استقرت قواعد الإسلام،وتمهدت أحكامه،واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة،واحتاط صلى الله عليه وسلم بقوله:ولا تقولوا هَجراً]المجموع5/311.
وقال الحافظ المناوي:[وِنعمَ الدواءُ لمن قسى قلبه ولزمه ذنبه،فإن انتفع بالإكثار منها فذاك،وإلا أكثر من مشاهدة المحتضرين،فليس الخبر كالعيان.قال القاضي...نهيتكم عن زيارتها مباهاةً بتكاثر الأموال فعل الجاهلية،وأما الآن فقد جاء الإسلام وهدم قواعد الشرك فزوروها،فإنها تورث رقة القلب وتذكر الموت والبلى]فيض القدير 5/71.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها،فإن فيها عبرة.ولا تقولوا ما يسخط الرب)رواه أحمد والحاكم وقال:صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي ووافقهما العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص179.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كنت نهتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب،وتدمع العين،وتذكر الآخرة،ولا تقولوا هَجراً) رواه الحاكم بسند حسن كما قال العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص180.
وبهذا يظهر لنا جلياً أن مقصد زيارة القبور هو الاتعاظ والاعتبار والدعاء للأموات.وعلى الزائر للقبور أن يتحلى بالآداب الشرعية لزيارة القبور فلا يضحك،ولا يتكلم في شؤون الدنيا ولا يأكل ولا يدخن في المقبرة،وينبغي أن يستذكر مصيبة الموت وأن يتعظ ويتفكر في هؤلاء الأموات،وأن حاله سيصير إلى مثل ما صاروا إليه،وهذا التذكر يدفع الإنسان إلى محاسبة النفس والنظر والتفكر في أحواله،فإن كان محسناً ازداد إحساناً وإن كان مسيئاً رجع وثاب إلى طريق الرشد والصلاح،
وهذا التفكر والإتعاظ مقصود من حضور الجنائز أيضاً،فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكّركم الآخرة)رواه أحمد وابن حبان وصححه وقال العلامة الألباني:إسناده صحيح،أحكام الجنائز 67.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال:استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) رواه مسلم.
وقد روي في الحديث (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا اتبع جنازةً أكثر الصمات،ورؤي عليه الكآبة وأكثر حديث النفس) رواه وكيع في الزهد،وله شاهد صحيح،فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:(خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فانتهينا إلى القبر،فجلس كأنَّ على رؤوسنا الطير)رواه ابن ماجة،وقال العلامة الألباني:صحيح،انظر صحيح سنن ابن ماجة 1/259.
وقال الفضيل بن عياض:"كانوا إذا اجتمعوا في جنازة يُعرف فيهم ثلاثة أيام" ورأى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رجلاً يضحك في جنازة فقال:"أتضحك مع الجنازة!لا أكلمك أبداً " وكره العلماء أن يتكلم أحدٌ في الجنازة ولا بقول القائل:"إستغفروا لأخيكم "فقد سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رجلاً في جنازة يصيح ويقول:إستغفروا لأخيكم،فقال ابن عمر:لا غفر الله لك.وسُئل سفيان بن عيينه عن السكوت في الجنازة وماذا يجيء به؟قال:تذكر به حال يوم القيامة،ثم تلا قوله تعالى:{وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً}سورة طه الآية 108.
وقال قتادة:"بلغنا أن أبا الدرداء رضي الله عنه،نظر إلى رجلٍ يضحك في جنازة فقال له:أما كان فيما رأيت من هول الموت ما يُشغلك عن الضحك".
وكان مطرف يلقى الرجلَ من خاصة أهله في الجنازة فعسى أن يكون غائباً فما يزيده على السلام،ثم يُعرض عنه اشتغالاً بما هو فيه.
ذكر هذه الآثار السيوطي ثم قال:[فهذا خوف هؤلاء السادات من الموت،فأما اليوم فغالب من تراه يشهد الجنازة يلهون ويضحكون،وما يتكلمون إلا في ميراثه وما خلَّفه لورثته"الأمر بالإتباع ص255.
وقال الإمام النووي:[يستحب له-أي الماشي مع الجنازة-أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى والفكر فيما يلقاه وما يكون مصيره وحاصل ما كان فيه،وأن هذا آخر الدنيا ومصير أهلها،وليحذر كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه،فإن هذا وقت فكرٍ وذكرٍ يقبح فيه الغفلة واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ،فإن الكلام بما لا فائدة فيه منهيٌ عنه في جميع الأحوال فكيف هذا الحال.
واعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف رضوان الله عليهم السكوت في حال السير مع الجنازة،فلا يرفع صوتاً بقراءةٍ ولا ذكرٍ ولا غير ذلك،والحكمة فيه ظاهرة،وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال،فهذا هو الحق ولا تغترنَّ بكثرة من يخالفه،فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ما معناه:إلزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين،وإياك وطرق الضلالة،ولا تغتر بكثرة الهالكين]الأذكار ص136.
كما ينبغي لزائر القبور أن يراعي حرمة الأموات فلا يجلس على القبور ولا يطؤها بقدمه،وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال:(لأن يجلس أحدكم على جمرةٍ فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده،خيرٌ له من أن يجلس على قبر) رواه مسلم.
إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز زراعة الأشجار والورود والرياحين على القبور إن كان المقصود بزراعتها التعبد،لأن ذلك لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن سلف هذه الأمة،وقد صح في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم:(من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)،
وكذلك لا يجوز زراعتها إن كان الهدف منها تجميل المقبرة والترفه،أو كان الهدف الحصول على ثمارها،لأن هذه الأمور تخرج المقبرة عن شرط الواقف،حيث إنه من المعلوم أن المقابر إنما وقفت لدفن الموتى فقط،ولأن فيها تشبهاً بغير المسلمين الذين يجعلون مقابرهم أشبه ما تكون بالحدائق والمتنزهات،وأما إذا كان الغرض من زراعة الأشجار أن يستظل بها الناس عند دفن الموتى،فلا بأس بذلك بشرط أن تزرع على أطراف المقبرة، وأن لا تزرع فوق القبور لأن زراعتها فوق القبور يؤذي الموتى،حيث إن جذورها قد تمتد للقبر،والميت يؤذيه ما يؤذي الحي،فقد ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً) رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد وغيرهم،وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل 3/214.وجاء في رواية أخرى عند ابن ماجة:(كسر عظم الميت ككسر عظم الحيِّ في الإثم)سنن ابن ماجة 1/516.
وكذلك لا تزرع الأشجار في المساحات المخصصة لدفن الموتى،لأن في ذلك شغلاً للمقبرة بخلاف ما وقفت عليه.وختاماً أنبه إلى أنه لا يصح الاستدلال على جواز زراعة الشجر والورود والرياحين بما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على قبرين فقال:(إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير...ثم أخذ جريدةً- من نخل- فشقها نصفين فوضع كل نصف على قبر وقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فهذا الحديث صحيح ولا شك،ولكن لا دلالة فيه على زراعة الشجر والورود والرياحين على قبور الأموات لما يلي:
أولاً:إن النبي صلى الله عليه وسلم أعلمه الله أن الرجلين يعذبان،ونحن لا نعرف هل أصحاب القبور يعذبون أم لا؟
ثانياً:إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الأموات لأننا نظن ظن السوء أنهم يعذبون وما يدرينا لعلهم ينعمون.
ثالثاً:إن وضـع الجريد والزهور لم يفعله سلف هذه الأمة الصالحة الذين هم أعلم بشريعة الله منا.
رابعاً:إن وضع جريد النخل على القبر خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخطابي:[إنه من التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما...إلى أن قال:والعامة في كثير من البلدان تغرس الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه] معالم السنن1/27.
ويؤيد أن وضع الجريد خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم ما ورد في حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم وفيه(أني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين)فهذا دليلٌ على أن رفع العذاب عنهما كان بسبب شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بسبب نداوة الغصنين.
وخلاصة الأمر أن المقابر ليست حدائق ولا متنزهات وإنما هي محل للاتعاظ والاعتبار،فلا يجوز زراعة الأشجار والورود والرياحين على القبور إن كان المقصود بزراعتها التعبد،لأن ذلك لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن سلف هذه الأمة،وكذلك لا يجوز زراعتها إن كان الهدف منها تجميل المقبرة والترفه،أو كان الهدف الحصول على ثمارها،لأن هذه الأمور تخرج المقبرة عن شرط الواقف،حيث إنه من المعلوم أن المقابر إنما وقفت لدفن الموتى فقط،ولأن فيها تشبهاً بغير المسلمين الذين يجعلون مقابرهم أشبه ما تكون بالحدائق والمتنزهات،وأما إذا كان الغرض من زراعة الأشجار أن يستظل بها الناس عند دفن الموتى،فلا بأس بذلك بشرط أن تزرع على أطراف المقبرة،وأن لا تزرع فوق القبور لأن زراعتها فوق القبور يؤذي الموتى،حيث إن جذورها تمتد للقبر،والميت يؤذيه ما يؤذي الحي.وكذلك لا تزرع الأشجار في المساحات المخصصة لدفن الموتى،لأن في ذلك شغلاً للمقبرة بخلاف ما أوقفت عليه.
تصفح شبكتنا
لكثرة المتغيرات اليومية في المجتمع الفلسطيني المسلم
وكثرة المستجدات في المسائل العلمية
كانت شبكة يسألونك الإسلامية
السؤال نصف العلم، وفي السؤال شفاء القلوب.
وراحة النفوس في الوقوف على الحلال والحرام.
وموقع يسألونك دليل التائهين وشفاء السائلين.
شبكة يسألونك الإسلامية
تحت إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
القدس - فلسطين المحتلة






