الأذان شعيرة من شعائر الله عز وجل
يقول السائل:ما هو الحكم الشرعي لرجل مسلم يطالب بضرورة سن قانون يمنع رفع الأذان في المساجد،أفيدونا؟
الجواب:الأذان من شعائر الله عز وجل،وهو الشعيرة الظاهرة المتكررة التي تُردَّد وترفع في كل يوم خمس مرات على مدار التاريخ الإسلامي، وحتى يرثَ اللهُ الأرضَ ومنْ عليها.
وقد اتفقت الأمة الإسلامية على مشروعية الأذان،والعملُ به جارٍ منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بلا خلاف،والأذان من خصائص هذه الأمة،وهو عبادةٌ عظيمةٌ وشعارُ أهلِ التوحيد،وهو على وجازة ألفاظه إلا أنه مشتملٌ على أهم مسائل التوحيد،فأوله الله أكبر المتضمن لوجود الله وكماله وعظمته،وفيه الشهادتان- أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله- التي لا يدخل الإنسان دين الإسلام إلا بهما،وفي الأذان المنادة لأعظم العبادات البدنية ألا وهي الصلاة-حي على الصلاة-وفي الأذان الدعوة إلى الفلاح–حي على الفلاح-أي هلمُّوا إلى ما فيه فلاحكم ونجاتكم،والفلاح هو النجاة والبقاء،والمفلحون هم الناجون،وهذا يتضمن إثبات المعاد والجنة والنار،وآخر الأذان الختم بشعار أهل التوحيد-لا إله إلا الله-فالأذان ليس مجرد وسيلةٍ لإبلاغ الناس بوقت الصلاة؛وإنما يشتمل على تلك المعاني العظيمة،
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ قال القرطبي وغيره:الأذان على قلة ألفاظه مشتملٌ على مسائل العقيدة،لأنه بدأ بالأكبرية،وهي تتضمن وجود الله وكماله،ثم ثنَّى بالتوحيد ونفي الشريك،ثم بإثبات الرسالة لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم،ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة،لأنها لا تُعرف إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم،ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم،وفيه الإشارة إلى المعاد،ثم أعاد ما أعاد توكيداً.ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت،والدعاء إلى الجماعة،وإظهار شعائر الإسلام.والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحدٍ في كل زمانٍ ومكان]فتح الباري 2/396.
وبما أن الأذان من شعائر الله عز وجل،فالأصل في المسلم أن يعظم ما عظَّمه الله عز وجل وعظَّمه رسولُه صلى الله عليه وسلم،كما قال تعالى:{ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}سورة الحج الآية 32،ويقول تعالى:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه}سورة الحج الآية 30.
وشعائر الله عز وجل تشمل كل دين الله تعالى على الراجح من أقوال أهل العلم[وقد فسَّر بعض العلماء شعائر الله بأنها أوامره وفرائضه،ومعنى ذلك:أن كل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما تعبدنا الله تبارك وتعالى به فهو من شعائره،فيدخل في ذلك الشعائر الظاهرة والباطنة؛لأن الدين باطنٌ وظاهرٌ،ويدخل في ذلك الشعائر العملية والشعائر الاعتقادية،ويدخل في ذلك الأركان والواجبات والمستحبات،فكل ما شرعه تبارك وتعالى فهو من شعائره،والمسلم مأمورٌ بأن يعظمها وأن لا يحلها؛وذلك بأن يمتثل أوامر الله ويجتنب نواهيه،وهكذا يكون التعظيم على هذا المعنى] www.alhawali.com.وقال القرطبي:[قال عطاء بن أبي رباح:شعائر الله جميع ما أمر الله به ونهى عنه]وقال الحسن البصري:دين الله كله،كقوله:{ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}أي دين الله. قلت:وهذا القول هو الراجح الذي يقدم على غيره لعمومه] تفسير القرطبي(6/36) وقال الإمام القرطبي أيضاً:[الشعائر جمع شعيرة،وهو كل شيء لله تعالى فيه أمرٌ أشعر به وأعلم...فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك...] تفسير القرطبي12/56.
والأذان ورد ذكره في القرآن الكريم حيث قال الله تعالى:{وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}سورة المائدة الآية 58.وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }سورة الجمعة الآية 9.
[شرع الأذان بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة على الأصح؛للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك،ومنها ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر أنه قال:كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون،فيتحينون الصلوات وليس يُنادي بها أحدٌ فتكلموا يوماً في ذلك،فقال بعضهم اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى،وقال بعضهم قرناً مثل قرن اليهود،فقال عمر أولاً تبعثون رجلاً ينادى بالصلاة،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا بلال قم فناد بالصلاة،ثم جاءت رؤيا عبد الله بن زيد قال:لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس ليعمل حتى يضرب به ليجتمع الناس للصلاة،طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوساً،فقلت له:يا عبد الله أتبيع الناقوس؟فقال:ما تصنع به؟قلت:ندعوا به للصلاة،فقال:ألا أدُلك على ما هو خير من ذلك؟قلت:بلى،قال:تقول:الله أكبر الله أكبر،فذكر الأذان والإقامة،فلما أصبحتُ أتيتُ النبيَ صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت،فقال:إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلالٍ فألق عليه ما رأيت فليؤذن به)رواه أبو داود والترمذي وقال:حديث حسن صحيح]الموسوعة الفقهية الكويتية2/358.
ورفعُ الصوت بالأذان وتوصيله للناس بأحدث الوسائل مطلبٌ شرعيٌ،فقد اتفق الفقهاء على أنه يستحب أن يكون الأذان من فوق مكانٍ عالٍ كالمنارة وسطح المسجد ونحوهما،ومما يدل على ذلك حديث عروة بن الزبير رضي الله عنه عن امرأة من بني النجار قالت:وكان بيتي أطول بيت حول المسجد فكان بلال رضي الله عنه يؤذن عليه الفجر،فيأتي بسَحَرٍ فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر،فإذا رآه تمطى،ثم قال:اللهم إني أحمدك،أستعينك على قريش أن يقيموا دينك،قالت:ثم يؤذن)رواه أبو داود والبيهقي في السنن الكبرى وحسنه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود 1/105،فبلالٌ رضي الله عنه يطلب المكان المرتفع لأذانه فيرقى على بيت الأنصارية.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(إن بلالاً يؤذن بليل،فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)قال:ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا)رواه البخاري ومسلم،ومعنى ذلك أن الأذان كان في مكانٍ مرتفع. وكذلك فإن من مقاصد الأذان إعلام الناس بدخول وقت الصلاة فلا بد أن يتم ذلك بأكمل وسيلة مشروعة،ومن المعلوم عند العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[وكلما قويت الوسيلة في الأداء كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها] مجموع الفتاوى 29/414.
إذا تقرر هذا فإنه لمن المستغرب جداً أن يطلب مسلمٌ منع الأذان،بل يطالب بسنَّ قانونٍ بمنعه،موافقةً للدعوات التي تردد عند غير المسلمين المطالبين بتشريع قانون لمنع الأذان،كما هو الحال في القانون المعروض على(الكنيست اليهودي).
ويخشى على المسلم الذي يطلب منع الأذان مطلقاً الكفر،والخروج من الملة إذا كان منطلقه في ذلك إنكاره للأذان،وهو من المعلوم من الدين بالضرورة.
وأما إذا كان منطلقه أن في الأذان عبر مكبرات الصوت تشويشاً وأنه يسبب ضوضاء ونحو ذلك من المقولات الباطلة،[فإنما شرع رفع الصوت بالأذان لما فيه من إظهار شعار الإسلام وإعلاء كلمة التوحيد ودعوة الناس إلى الصلاة،وكل وسيلة يتحقق بها هذا المقصود وتحصل بها المبالغة في الإسماع فهي مشروعةٌ مندوبٌ إلى استعمالها لما فيها من تحقق مقصود الشرع المطهر،واستعمال مكبرات الصوت من هذا الباب،فإنها من أعظم نعم الله على عباده،وقد حصل بها خيرٌ كثيرٌ من تنبيه الناس وإعلامهم بحضور الصلاة ورفع شعار الإسلام وكلمة التوحيد.والإدعاء بأن صوت المكبرات يزعج بعض الناس كلامٌ فاسدٌ،فإن القلوب الحية المؤمنة تفرح بذكر الله ولا تنزعج،ثم إن زمن النداء يسيرٌ فلا يكاد يحصل به إيذاء لمشتغل بشغلٍ،أو مريض أو نحوه كما يلبس بذلك بعض من قلَّ دينُه وخفَّ يقينُه ممن يريد ألا يظهر شعار الإسلام في بلاد المسلمين لا حقق الله لهم مطلباً.ولو فرضنا أن صوت الأذان بالمكبر يزعج قليلاً من الناس فهذه مفسدةٌ يسيرة جداً بجانب المصلحة الراجحة العظيمة الحاصلة من وراء استعمالها،فلا شك بعد هذا في مشروعية استعمالها...ثم إن غالب من يردد هذه الدعاوي هم أذناب الغرب الذين يريدون لبلادنا أن تنسلخ من هويتها الإسلامية،ومن جملة ذلك أن يزول من أرجائها صوت الأذان الذي هو من أعظم شعائر الدين،وأكبر الروابط بين حاضرنا الأليم وماضينا المشرق] من موقع إسلام ويب بتصرف.
ودعوى أن الأذان يسبب الضوضاء والضجيج تسقط عند أصوات الأجراس في الكنائس وإطلاق أبواق السيارات وأصوات الطائرات وأصوات الموسيقى في الأسواق وفي الحفلات وغير ذلك.
وأختم أخيراً بما ذكره بعض المفسرين أنَّ اليهود لمَّا سمعوا الأذان قالوا:لقد ابتدعتَ يا محمد شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم؛فنزل قول الله تعالى:{وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا}سورة المائدة الآية 58،ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري 2/397.
وقال العلامة السعدي عند تفسير الآية السابقة:[وكذلك ما كان عليه المشركون والكفار المخالفون للمسلمين،من قدحهم في دين المسلمين،واتخاذهم إياه هزواً ولعباً،واحتقاره واستصغاره،خصوصاً الصلاة التي هي أظهر شعائر المسلمين،وأجل عباداتهم،إنهم إذا نادوا إليها اتخذوها هزواً ولعباً،وذلك لعدم عقلهم ولجهلهم العظيم،وإلا فلو كان لهم عقول لخضعوا لها،ولعلموا أنها أكبر من جميع الفضائل التي تتصف بها النفو.] تفسير السعدي 1/237.
وخلاصة الأمر أن الأذان من شعائر الله عز وجل،وهو ما زال يُرفع في كل يومٍ خمس مراتٍ على مدار التاريخ الإسلامي،وحتى يرث الله الأرضَ ومنْ عليها.وهو عبادةٌ عظيمةٌ وشعارُ أهلِ التوحيد، وشعائر الله تبارك وتعالى لا يعظمها إلا من عظَّم الله واتقاه،وعرفه حقَّ معرفته،وقدَّره حقَّ قدره،والأذان ليس مجرد وسيلة لإبلاغ الناس بوقت الصلاة؛وإنما يشتمل على قلة ألفاظه على مسائل العقيدة،ولا شك أن المطالبة بمنعه إنكاراً له كفرٌ مخرج من الملة،والمطالبة بمنعه لما يُزعم فيه من ضوضاءٍ وتشويشٍ،فسقٌ وتهاونٌ في الدين وتواطئٌ مع أعداء الإسلام،الذين لا يُستغربُ ذلك منهم،ولكن المستغرب أن تصدر هذه المطالب ممن يزعم أنه مسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.ولا ريب أن منع الأذان يعتبر تعدياً على دين الإسلام وعلى شعائره الظاهرة،قال الله تعالى:{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ }سورة المائدة الآية 82.
تصفح شبكتنا
لكثرة المتغيرات اليومية في المجتمع الفلسطيني المسلم
وكثرة المستجدات في المسائل العلمية
كانت شبكة يسألونك الإسلامية
السؤال نصف العلم، وفي السؤال شفاء القلوب.
وراحة النفوس في الوقوف على الحلال والحرام.
وموقع يسألونك دليل التائهين وشفاء السائلين.
شبكة يسألونك الإسلامية
تحت إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
القدس - فلسطين المحتلة






