يسألونك
الجزء السابع

تأليف
الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه

المقدمة

الصلاة
    الأدعية أثناء الوضوء
    قول حي على خير العمل في الأذان بدعة
    يجوز إقامة الصلاة بواسطة مكبر الصوت
    حكم رفع اليدين بين السجدتين
    حكم من يصلي الفريضة ولا يصلي النافلة
    حكم القنوت في صلاة الفجر
    السهو عن الجلوس الأوسط
    سنة العصر
    صلاة العصر هي الصلاة الوسطى
    لا يشترط النوم قبل صلاة القيام
    شروط الجمع بين الصلاتين بسبب المطر
    الجمع بسبب فرض نظام حظر التجول
    جمع التأخير بين صلاتين
    الأذكار المشروعة بعد الصلاة المكتوبة
    قراءة آية الكرسي بعد الصلاة المفروضة
    كيفية صلاة سنة الجمعة البعدية
    فضل قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة
    التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين
    اجتماع الجمعة والعيد
    المشروع من الأعمال في ليلة عيد الأضحى
    لا يجوز وضع المصحف مع الميت في القبر

الزكاة
    الجهل بوجوب الزكاة لا يعد عذراً لإسقاطها
    وجوب الزكاة في العسل
    أخذ غير المستحق من أموال الزكاة
    كيف تقدر القيمة في صدقة الفطر ؟

الصيام والاعتكاف
    التبرع بالدم لا يفطر الصائم
    المرض المبيح للفطر في رمضان
    يجوز الاعتكاف في جميع المساجد

الحج
    حج الزوجين والأقارب على نفقة بعضهم بعضاً
    تحديد أعداد الحجاج
    التوكيل في بعض مناسك الحج
    النيابة في الحج

الأضحية
    الأمـور الـمـشـروعة في حـق المضـحـي عند ذبح الأضحية وبعده

الأيمان
    حكم نقض عهد الله
    حكم الحلف بالأمانة

المعاملات
    معنى الحديث النبوي ( نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن بيعتين في بيعة )
    معنى قول النبي صلى الله عليه و سلم ( لا تـبـع مـا ليــس عنــدك )
    الغبن في التجارة
    قطف الزيتون على نسبة منه
    حكم اللقطة
    الفرق بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد
    الضمان في رفس الحمار
    تحرم سرقة التيار الكهربائي
    الدية تورث

المرأة والأسرة
    الاستخارة قبل الزواج
    الزواج بين العيدين لا شؤم فيه
    حق الزوجة في الإنجاب
    العدل بين الزوجات
    نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها
    يحرم كشف أسرار البيوت
    تحريم نشر أسرار استمتاع الزوجين
    حدود العلاقة التي تربط بين زوج البنت وحماته
    لا حياء من الأحكام الشرعية
    كنايات الطلاق
    الطلاق قبل الدخول مازحاً
    ترث المطلقة رجعياً من زوجها المتوفى
    سب الدين وأثره على النكاح
    كفارة الظهار واجبة على الترتيب
    لا يجوز ارتياد النساء للمسابح    
    حكم عمليات التجميل
    حكم إقامة الجمعيات الخيرية
    فضل كفالة اليتيم
    اقتناء الكلب في المنزل

متفرقات
    انهيار مركز التجارة العالمي والـتلاعـب بآيـات الـقرآن الـكـريـم
    القُصَّاص الجدد
    الإلحاد في أسماء الله الحسنى
    بدعة الوقوف عند ذكر النبي صلى الله عليه و سلم
    أجساد الشهداء
    دعاء بدعي
    الذين يدخلون الجنة بغير حساب
    أجر المتمسك بالدين في آخر الزمان
    قاعدة العمل بالحديث الضعيف
    حديث اختلاف أمتي رحمة
    حديث لا يرد القضاء إلا الدعاء
    حديث نحكم بالظاهر
    حديث ( الخير فيَّ وفي أمتي ) ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه و سلم
    حديث ( لا تجعلوا آخر طعامكم ماءاً ) ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه و سلم
    أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة
    ما يفعله الشيعة يوم عاشوراء ليس مشروعاً
    لا فضائل خاصة بشهر رجب
    الطائفة الظاهرة
    رؤية النبي صلى الله عليه و سلم في المنام
    كـرامة الـخـبـز
    حكم سب الصحابة
    تأثير الإكراه في المحرمات
    الأعمال المكفرة للذنوب
    التنجيم باستعمال الحاسوب
    حكم الاحتفال بعيد الحب
    حكم تشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة
    المِيْل

 

المقدمة

 الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) سورة آل عمران الآية 102 .
( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) النساء الآية 1 .
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) سورة الأحزاب الآيتان 70-71 .
أما بعد
فلما كان التبليغ عن الله سبحانه وتعالى يعتمد العلمَ بما يبلغ ، والصدق فيه ، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق ، فيكون عالماً بما يبلغ ، صادقاً فيه ، ويكون مع ذلك حَسَنَ الطريقة ، مرضيَّ السيرة ، عدلاً في أقواله وأفعاله ، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله ، وإذا كان مَنصِبُ التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكَرُ فضله ، ولا يُجهل قدره ، وهو من أعلى المراتب السنيات ، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات ؟
فحقيقٌ بمن أقيم في هذا المنصب أن يُعدَ له عُدَّته ، وأن يتأهب له أهبته ، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به ، فإن الله ناصره وهاديه ، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب ، فقال تعالى :( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ) ، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالةً ، إذ يقول في كتابه :( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ) ، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه ، وليوقن أنه مسؤول غداً وموقـوف بـين يـدي الله .
وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وخاتم النبيين ، عبد الله ورسوله ، وأمينه على وحيه ، وسفيره بينه وبين عباده ، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين ، وكان كما قال له أحكم الحاكمين :( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) ، فكانت فتاويه جوامعَ الأحكام ، ومشتملة على فصل الخطاب ، وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب وليس لأحدٍ من المسلمين العُدول عنها ما وجد إليها سبيلاً ، وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول :( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )(1) .
ومع هذه الأهمية الخطيرة للفتوى في دين الله ، فقد تسوَّر عليها عددٌ كبيٌر ممن ليسوا لها أهلاً ، وأسهمت وسائل الإعلام ، وخاصة المحطات الفضائية في تعدي كثيرين على شرع الله ، وسمعنا فتاوى عجيبة وغريبة ، فيها تساهل كبير بحجة أن الدين يسر ، أو أن الدين يجب أن يساير العصر ، أو بحجة المصلحة ونحو ذلك .
وصار التساهل في الفتوى ، طابعاً لبعض المتصدرين على الفضائيات ، فهنالك من أفتى بإباحة الربا ،ومن أفتى بجواز خروج المرأة متعطرة متزينة إلى الشوارع والأسواق ، ومنهم من أفتى بجواز عرض المرأة للأزياء أمام الرجال ، وغير ذلك من الفتاوى العرجاء .
وقد حذر العلماء قديماً وحديثاً من التساهل في الفتوى ، قـال الإمـام النووي رحمة الله عليه :[ يحرم التساهل في الفتوى ، ومن عرف به حَرُمَ استفتاؤه ، فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر ، فإن تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا بأس بالمبادرة ، وعلى هذا يُحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة ، ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة ، على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة ، والتمسك بالشبه طلباً للترخيص ، لمن يروم نفعه ، أو التغليظ على من يريد ضره ، وأما من صح قصدُه فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها للتخليص من ورطة يمين ونحوها ، فذلك حسنٌ جميلٌ ، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان - الثوري - :[ إنما العلمُ عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد ] (1) .
ولا شك أن من دوافع التساهل في الفتاوى بحجج واهية ، التقرب إلى السلاطين والحكام ، والحرص على الدنيا ، وما فيها من جاهٍ ومناصب وأموال ، قال العلامة ابن القيم :[ كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها ، فلا بد أن يقول على الله غيرَ الحق في فتواه وحكمه في خبره والتزامه ] (2) .
وختاماً أقول هذا هو الجزء السابع من كتابي يسألونك سرت فيه كما في الأجزاء السابقة ، على منهج أهل السنة والجماعة في الاعتماد عل كتاب الله سبحانه وتعالى ، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وما قرره الأئمة الأعلام ، من فقهاء الصحابة والتابعين وسلف الأمة ، من إجماع وقياس صحيح ، من غير تعصبٍ لمذهبٍ أو إمام . وسعيت فيه إلى الوصول إلى ما أعتقد أنه الحق والصواب ، فإن تعارضت الأقوال ، اخترت ما أعتقد أنه أرجحها وأقواها دليلاً وأهداها سبيلاً ، فإن أصبت بغيتي فذلك الفضل من الله تعالى وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان والعياذ بالله .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين



أبوديس / القدس كـتـبـه الـدكـتـور حـسـم الدين بن موسى عفانه
29 رجب 1423هـ الأستـاذ المــشــارك في الــفـقــه والأصــول
وفق 6/10/ 2002م منسق برنامج ماجستير دراسات إسلامية معاصرة
كلية الدعوة وأصول الدين
جامعة القدس







الصلاة

الأدعية أثناء الوضوء



يقول السائل : نسمع كثيراً من الناس عندما يتوضؤون يذكرون أدعية أثناء الوضوء فما حكم هذه الأدعية ؟
الجواب : الأدعية أثناء الوضوء مشهورة وذكرها بعض الفقهاء في كتبهم فمن ذلك ما ذكره الرافعي من الشافعية حيث قال :[ أن يحافظ على الدعوات الواردة في الوضوء فيقول في غسل الوجه : اللهم بَيِّض وجهي يوم تبيَض وجوهٌ وتسود وجوهٌ ، وعند غسل اليد اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً ، وعند غسل اليسرى : اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري ، وعند مسح الرأس اللهم حرم شعري وبشري على النار . وروي اللهم احفظ رأسي وما حوى وبطني وما وعى ، وعند مسح الأذنين اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وعند غسل الرجلين اللهم ثبت قدمي علـى الـصراط يوم تزل فيه الأقدام ، ورد بهـا الأثـر عن السـلف الصالحين ] الشرح الكبير 1/449-450 .
وذكر أبو حامد الغزالي الأدعية أثناء الوضوء بأكثر من ذلك فقال :[ بعد ذكر البسملة في أوله ويقول عند ذلك أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ثم يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما الإناء ويقول اللهم إني أسألك اليمن والبركة وأعوذ بك من الشؤم والهلكة .
وذكر أنه عند المضمضة يقول : اللهم أعنِّي على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك ثم يأخذ غرفةً لأنفه ويستنشق ثلاثاً ويصعد الماء بالنفس إلى خياشيمه ويستنثر ما فيها ويقول في الاستنشاق اللهم أوجد لي رائحة الجنة وأنت عني راضٍ ، وفي الاستنثار اللهم إني أعوذ بك من روائح النار ومن سوء الدار .
وعند غسل وجهه يقول : اللهم بيِّض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك ولا تُسَوِّد وجهي بظلماتك يوم تَسْودُ وجوه أعدائك .
وعند غسل اليد اليمنى : اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً .
وعند غسل اليد اليسرى : اللهم إني أعوذ بك أن تعطيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري .
وعند مسح أذنيه : اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم أسمعني مناديا الجنة مع الأبرار . وعند مسح رقبته يقول : اللهم فك رقبتي من النار وأعوذ بك من السلاسل والأغلال .
وعند غسل الرجل اليمنى يقول : اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم يوم تزل الأقدام في النار .
وعند غسل الرجل اليسرى يقول : أعوذ بك أن تزل قدمي عن الصراط يوم تزل فيه أقدام المنافقين . فإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي أستغفرك اللهم وأتوب إليك فاغفر لي وتب عليَّ ، إنك أنت التواب الرحيم اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين واجعلني عبداً صبوراً شكوراً واجعلني أذكرك كثيراً وأسبحك بكرة وأصيلاً ] إحياء علوم الدين 1/132-133 .
وهذه الأدعية التي تقال أثناء الوضوء غير ثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال الإمام النووي :
[ وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجئ فيه شيء عن النبي صلى الله عليه و سلم ] الأذكار ص24.
وقال الحافظ ابن حجر معلقاً على الأدعية التي ذكرها الرافعي والمذكورة أعلاه :[ قال النووي في الروضة هذا الـدعـاء لا أصل له ولم يذكره الشـافعي والجمهور . وقال ابن الصلاح : لم يصح فيه حديث .
قلت - أي الحافظ ابن حجر - : روي فيه عن علي من طرقٍ ضعيفةٍ جداً ] التلخيص الحبير 1/100 .
وقال العلامة ابن القيم :[ ولم يحفظ عنه صلى الله عليه و سلم أنه كان يقول على وضوئه شيئاً غير التسمية ، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه ، فكذب مختلق لم يقل رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئاً منه ولا علَّمه لأمته ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله وقوله
" أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " في آخره…] زاد المعاد1/195-196.
وقال النووي أيضاً :[ وحذفت دعاء الأعضاء إذ لا أصل له ] المنهاج مع شرحه 1/194 .
وقد خالف بعض المتأخرين من العلماء ما قاله النووي وغيره في نفي ثبوت الأحاديث الواردة أثناء الوضوء وقالوا إنه قد ورد ذلك ولكن بطرق ضعيفة والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال وهذا منها .
ولكن يجاب على قولهم هذا ، بأن تلك الأحاديث بطرقها المختلفة لا تخلو من كذاب أو متهم بالوضع كما بين ذلك السيوطي في رسالته الإغضاء عن دعاء الأعضاء . انظر الفتوحات الربانية على الأذكار النووية 2/27 .
وسئل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن قول النووي :[ وحذفت دعاء الأعضاء إذ لا أصل له هل أراد بطلانه وكيف يقول الولي العراقي له أصل ؟
والجواب : إذا قال المحدث لا أصل للحديث الفلاني فمراده أنه ليس له طريق يعتمد لا أنه لم يرو أصلاً ، وحينئذ فإن كان النووي اطلع على الحديث وعرف شدة ضعفه وأن طرقه لا تخلو من شخص نسب إلى الكذب والتهمة بالكذب فالمراد بقوله لا أصل له أنه ليس بصحيح ولا حسن فيحتج به ولا ضعيف يصلح للعمل به في فضائل الأعمال وإن كان لم يطلع على طرقه التي أشرت إليها في تخريج أحاديث الأذكار فلا يضره لأنه ليس فيها ما يصلح للعمل به لا منفرداً ولا منضماً بعضه إلى بعض وقول من قال له أصل إن أراد به كونه ورد مع قطع النظر عن صلاحيته للعمل فمسلَّم ولكن لا يرد على النووي وإن أراد له أصلاً يعمل به فمردود .
وقال ابن حجر في شرح العباب فيما نقله عن بعضهم فقول سائر المتأخرين إن تلك الطرق ضعيفة يعمل بها في الفضائل مردود وهو كما قال وغاية أمر تلك الطرق أنها شديدة الضعف والحديث إذا اشتد ضعفه لا يعمل به في الفضائل ولا في غيرها كما اقتضاه كلام المجموع في باب صلاة النفل وبذلك صرح السبكي ثم حيث قال وفي ابن ماجة كان صلى الله عليه و سلم يصلي قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء منهن وهو ضعيف جداً لا يصلح الاحتجاج به وقد نقل العلائي وغيره الاتفاق على أن شرط العمل بالضعيف أن يكون الضعف غير شديد قالوا فيخرج من انفرد من كذاب ومتهم به ومن فحش غلطه وقد علمت مما ذكرناه أن جميع روايات هذه الأدعية لا تخلو عن كذاب ومتهم به وحينئذ فقد بان صحة ما قاله المصنف - أي النووي - العلم المفرد الإمام أدام الله به وله النفع والرفعة على الدوام ورد ما اعترض به عليه ] المصدر السابق 2/29 .
هذا بالنسبة للأدعية أثناء الوضوء ، وأما بالنسبة للتسمية في أول الوضوء فأكثر أهل العلم على أنها سنة قال الإمام النووي :[ قد ذكرنا أن التسمية سنة وليست بواجبة فلو تركها عمداً صح وضوءه هذا مذهبنا وبه قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء وهو أظـهـر الـروايـات عن أحـمد وعنه رواية أنها واجـبـة ] المجموع 1/346 .
وقد ورد في التسمية عند الوضوء عدة أحاديث ولكنها ضعيفة وقد ذكر الإمام النووي بعضها ثم قال :[ وأسانيد هذه الأحاديث كلها ضعيفة وذكر البيهقي هذه الأحاديث ثم قال أصح ما في التسمية حديث أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم وضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال :( توضؤوا باسم الله قال فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه والقوم يتوضؤون حتى توضؤا من عند آخرهم وكانوا نحو سبعين رجلاً ) وإسناده جيد واحتج به البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار وضعف الأحاديث الباقية ] المجموع 1/344 .
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن تكلم على أسانيد تلك الأحاديث :[ والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً ] الـتلـخيـص الحبير 1/75
وقال الحافظ المنذري :[ ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة والله أعلم ] الترغيب والترهيب 1/164 ، وأيد كلامه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص 88
وأما الدعاء بعد الوضوء فقد ثبت في الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب  أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ) رواه مسلم . انظر شرح النووي على صحيح مسلم 1/472 . وفي رواية للترمذي بزيادة ( اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ) تحفة الأحوذي 1/150 . وقال الشيخ الألباني عن زيادة الترمذي : حسن . صحيح الترغيب والترهيب ص 94 .




قول حي على خير العمل في الأذان بدعة




يقول السائل : إنه سمع الأذان من إحدى المحطات التلفزيونية الفضائية وسمع عبارة :[ حي على خير العمل ] فما حكم ذكر هذه العبارة في الأذان ؟
الجواب : ألفاظ الأذان محفوظة ومعروفة عن رسول الله  صلى الله عليه و سلم وقد ثبتت هذه الألفاظ في عدد من الأحاديث منها ما جاء في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال :( لما أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت : يا عبد الله أتبيع الناقوس ؟ قال : وما تصنع به ؟ فقلت : ندعو به إلى الصلاة قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك ، فقلت له بلى قال : فقال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلمأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلمحي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله . قال ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال وتقول إذا أقمت الصلاة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلمحي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، فلما أصبحت أتيتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم  فأخبرته بما رأيت ، فقال إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به ، قال فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فلله الحمد ) رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي : حسن صحيح ، واللفظ لأبي داود ، وقال الألباني حسن صحيح . انظر صحيح سنن أبي داود 1/98-99 .
وعن أبي محذورة رضي الله عنه قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من حنين خرجت عاشر عشرة من أهل مكة نطلبهم فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ بهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت فأرسل إلينا فأذنا رجل رجل وكنت آخرهم فقال حين أذنت تعال فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي وبرَّك عليَّ ثلاث مرات ثم قال اذهب فأذن عند البيت الحرام قلت كيف يا رسول الله صلى الله عليه و سلمفعلمني كما تؤذنون الآن بها : الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلمأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلمأشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلمأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلمحي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح قال وعلمني الإقامة مرتين الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلمأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلمحي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وقال الشيخ الألباني : صحيح . انظر صحيح سنن النسائي 1/ 136-137 . وغير ذلك من الأحاديث .
هذه هي ألفاظ الأذان المحفوظة عن النبي صلى الله عليه و سلم .
إذا تقرر هذا فإن زيادة [ حي على خير العمل ] ليست من ألفاظ الأذان وإنما هي من زيادة الشيعة على ألفاظ الأذان وليس لهم مستند صحيح يــعــتــمد عليه وقد عقد الإمام البيهقي فصلاً في سننه بعنوان :[ باب ما روي في حي على خير العمل ]. وذكر فيه بعض الآثار عن ابن عمر وعلي بن الحسين وبلال رضي الله عنهم وفيها عبارة ( حي على خير العمل ) ثم قال الإمام البيهقي :[ وهذه اللفظة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم فيما علَّم بلالاً وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه ] سنن البيهقي 1/424-425 .
وذكر ابن حزم أن هذه الجملة لم تصح عن النبي صلى الله عليه و سلم . المحلى 2/194 .
وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية . مجموع الفتاوى 23/103 .
وقال الإمام النووي :[ يكره أن يقال في الأذان " حي على خير العمل " لأنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وروى البيهقي فيه شيئاً موقوفاً على ابن عمر وعلي بن الحسين رضي الله عنهم قال البيهقي : لم تثبت هذه اللفظة عن النبي صلى الله عليه و سلم فنحن نكره الزيادة في الأذان والله أعلم ] المجموع 3/98 .
وقال الشوكاني في أثناء شرحه لحديث عبد الله بن زيد المتقدم ما نصه :
[ والحديث ليس فيه ذكر حي على خير العمل وقد ذهبت العترة إلى إثباته وأنه بعد قول المؤذن حي على الفلاح قالوا : يقول مرتين حي على خير العمل ونسبه المهدي في البحر إلى أحد قولي الشافعي وهو خلاف ما في كتب الشافعية فإنا لم نجد في شيء منها هذه المقالة بل خلاف ما في كتب أهل البيت ، قال في الانتصار : إن الفقهاء الأربعة لا يختلفون في ذلك ، يعني في أن حي على خير العمل ليس من ألفاظ الأذان وقد أنكر هذه الرواية الإمام عز الدين في شرح البحر وغيره ممن له اطلاع على كتب الشافعية . احتج القائلون بذلك بما في كتب أهل البيت كأمالي أحمد بن عيسى والتجريد والأحكام وجامع آل محمد من إثبات ذلك مسنداً إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم . قال في الأحكام : وقد صح لنا أن حي على خير العمل كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم يؤذن بها ولم تطرح إلا في زمن عمر . وهكذا قال الحسن بن يحيى روى ذلك عنه في جامع آل محمد وبما أخرج البيهقي في سننه الكبرى بإسناد صحيح عن عبدالله بن عمر أنه كان يؤذن بحي على خير العمل أحياناً . وروى فيها عن علي بن الحسين أنه قال : هو الأذان الأول وروى المحب الطبري في أحكامه عن زيد بن أرقم أنه أذن بذلك ، قال المحب الطبري : رواه ابن حزم ورواه سعيد بن منصور في سننه عن أبي أمامة بن سهل البدري ولم يرو ذلك من طريق غير أهل البيت مرفوعاً . وقول بعضهم : وقد صحح ابن حزم والبيهقي والمحب الطبري وسعيد بن منصور ثبوت ذلك عن علي بن الحسين وابن عمر وأبي أمامة بن سهل موقوفاً ومرفوعاً ، ليس بصحيح اللهم إلا أن يريد بقوله مرفوعاً قول علي بن الحسين هو الأذان الأول ولم يثبت عن ابن عمر وأبي أمامة الرفع في شيء من كتب الحديث . وأجاب الجمهور عن أدلة إثباته بأن الأحاديث الواردة بذكر ألفاظ الأذان في الصحيحين وغيرهما من دواوين الحديث ليس في شيء منها ما يدل على ثبوت ذلك ، قالوا : وإذا صح ما روي من أنه الأذان الأول فهو منسوخ بأحاديث الأذان لعدم ذكره فيها وقد أورد البيهقي حديثاً في نسخ ذلك ولكنه من طريق لا يثبت النسخ بمثلها ] نيل الأوطار 2/43-44 .
وقال الشوكاني أيضاً معلقاً على قول صاحب حدائق الأزهار [ حي على خير العمل ] : [ أقول هذا اللفظ قد صار من المراكز العظيمة عند غالب الشيعة ولكن الحكم بين المختلفين من العباد هو كتاب الله وسنة رسوله، فما جاءنا فيهما فسمعاً وطاعة وما لم يكن فيهما فإن وضح فيه وجه قياس بمسلك من المسالك المقبولة التي لا ترفع ولا تنقض كالنص على العلة أو دلالة الدليل على ثبوت الحكم في المسكوت عنه بفحوى الخطاب كان للمتمسك بذلك أن يقول به على ما فيه من خلاف وهكذا إذا صح الإجماع على حكم ولكن دون تصحيح الإجماع مفاوز متلوية وطرائق متشعبة وعقاب شامخة كما أوضحنا ذلك في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول .
وإذا كان اختلاف المختلفين في حكم ثابت من السنة فالمرجع دواوينها التي وضعها علماء الرواية وهي الأمهات وما يلتحق بها من المسانيد ونحوها ولم يثبت رفع هذا اللفظ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في شيء من كتب الحديث على اختلاف أنواعها وغاية ما يروى في ذلك ما أخرجه الطبراني والبيهقي عن بلال أنه كان يؤذن للصبح فيقول : حي على خير العمل ، فأمره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم وترك حي على خير العمل ، وفي إسناده عبد الرحمن بن عمار بن سعد وهو ضعيف ، وقد قال البيهقي بعد إخراجه : هذا اللفظ لم يثبت فيما علم النبي صلى الله عليه و سلم بلالاً وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه ، انتهى .
ومع هذا ففي هذا التصريح بأن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بلالاً أن يترك ذلك فلو قدرنا ثبوته لكان منسوخاً ] السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار 1/205 .
وأجابت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه حول زيادة هذه الجملة في الأذان بقولها :[ الأذان عبادة من العبادات والأصل في العبادات التوقيف وأنه لا يقال : إن هذا العمل مشروع إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع والقول بأن هذه العبادة مشروعة بغير دليل شرعي قول على الله بغير علم فقد قال الله تعالى :( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) وقال تعالى :( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) وقال النبي صلى الله عليه و سلم :( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ ) وفي رواية :( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ ) إذا عُلم ذلك فالأذان الشرعي الثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو خمس عشرة جملة هي :( الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلمأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه و سلم ، حي على الصلاة حي على الصلاة ، حي على الفلاح حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ) هذا هو الثابت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر بلالاً أن يؤذن به كما ذكر ذلك أهل السنن والمسانيد إلا في أذان الصبح فإنه ثبت أن مؤذن النبي صلى الله عليه و سلم كان يزيد فيه بعد الحيعلة ( الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم ) واتفق الأئمة الأربعة على مشروعية ذلك لأن إقرار الرسول صلى الله عليه و سلم لهذه الكلمة من بلال يدل على مشروعية الإتيان بها وأما قول المؤذن في أذان الصبح حي على خير العمل فليس بثابت ولا عمل عليه عند أهل السنة وهذا من مبتدعات الرافضة فمن فعله ينكر عليه بقدر ما يكفي للامتناع عن الإتيان بهذه الزيادة في الأذان ] فتاوى اللجنة الدائمة 6/94 .
وخلاصة الأمر أن ذكر عبارة [ حي على خير العمل ] في الأذان بدعة لا يجوز أن تكون من ضمن ألفاظ الأذان .

 


يجوز إقامة الصلاة بواسطة مكبر الصوت



يقول السائل : إن إمام المسجد عندهم قال بأن إقامة الصلاة عبر جهاز مكبر الصوت بدعة ، فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : إقامة الصلاة بواسطة مكبر الصوت إنما هي استعمال لوسيلة مشروعة في الدعوة للصلاة وتنبيه للمصلين ولا حرج في ذلك شرعاً ولا أرى فرقاً معتبراً بين الأذان باستعمال مكبر الصوت وبين الإقامة باستعماله والأمر ليس له علاقة بالبدعة لا من قريب ولا من بعيد .
 



حكم رفع اليدين بين السجدتين


يقول السائل : حصل نقاشٌ بين المصلين في مسألة رفع اليدين في الصلاة عند الرفع من السجدة الأولى وعند الهوي إلى السجدة الثانية فهل ثبت رفع اليدين في هذين الموطنين من الصلاة ؟ أفيدونا .
الجواب : الثابت من سنة النبي صلى الله عليه و سلم رفع اليدين في الصلاة في أربعة مواضع فقط وهي : الأول عند تكبيرة الإحرام ، الثاني عند الركوع ، الثالث عند الرفع من الركوع الرابع عند القيام من التشهد الأوسط في الصلاة الثلاثية والرباعية ، هذه هي المواطن التي ثبت فيها رفع الأيدي عن النبي صلى الله عليه و سلم ودلت على ذلك الأدلة ، منها : ما رواه البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :( رأيت النبي صلى الله عليه و سلم افتتح التكبير في الصلاة فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه وإذا كبّر للركوع فعل مثله وإذا قال سمع الله لمن حمده فعل مثله وقال ربنا ولك الحمد ولا يفعل ذلـك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود ) . ورواه مسلم بلفظ :( رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه وقبل أن يركع وإذا رفع من الركوع ولا يرفعهما بين السجدتين ) . وفي رواية مسلم :( ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود ) . هذه الأحاديث أثبتت الرفع في ثلاثة مواطن عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه ، وأما الموطن الرابع وهو عند القيام من الركعتين فقد ثبت في حديث نافع أن ابن عمر :( كان إذا دخل في الصلاة كبّر ورفع يديه وإذا ركع رفع يديه . وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه . وإذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه و سلم ) رواه البخاري .
وقال الإمام البخاري ( باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين ) ثم ذكر حديث نـافع عن ابن عمر السابق . وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني :[ قوله :( ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه و سلم ) … وقد توبع نافع على ذلك عن ابن عمر وهو فيما رواه أبو داود وصححه البخاري في الجزء المذكور من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر قال :( كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه ) وله شواهد منها حديث أبي حميد الساعدي وحديث علي بن أبي طالب أخرجهما أبو دواد وصححهما ابن خزيمة وابن حبان وقال البخاري في الجزء المذكور :[ ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم وقال ابن بطال : هذه زيادة يجب قبولها لمن يقول بالرفع وقال الخطابي : لم يقل به الشافعي وهو لازم على أصله في قبول الزيادة . وقال ابن خزيمة : هو سنة وإن لم يذكره الشافعي فالإسناد صحيح وقد قال : قولوا بالسنة ودعوا قولي . وقال ابن دقيق العيد : قياس نظر الشافعي أنه يستحب الرفع فيه لأنه أثبت الرفع عند الركوع والرفع منه لكونه زائداً على من اقتصر عليه عند الافتتاح والحجة في الموضعين واحدة وأول راضٍ سيرةً من يسيرها . وقال : والصواب إثباته ] فتح الباري 12/288
هذه المواطن الأربعة التي ثبت فيها رفع اليدين عن النبي صلى الله عليه و سلم في الصلاة وأما رفع اليدين عند الهوي إلى السجود وعند الرفع من السجدة الأولى وعند الهوي إلى السجدة الثانية فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم وهذا مذهب جماهير أهل العلم والقول بإثبات الرفع في غير المواطن الأربعة قول مخالف للصواب .
قال العلامة ابن القيم في وصفه لصلاة النبي صلى الله عليه و سلم :[ ثم كان يكبر ويخر ساجداً ولا يرفع يديه . وقد روي أنه كان يرفعهما أيضاً وصححه بعض الحفاظ كأبي محمد بن حزم رحمه الله وهو وهمٌ فلا يصح ذلك عنه البتة والذي غرّه أن الراوي غلط من قوله :( كان يكبر في كل خفض ورفع ) إلى قوله ( وكان يرفع يديه عند كل خفض ورفع ) وهو ثقة ولم يفطن لسبب غلط الراوي ووهمه فصححه والله أعلم ] زاد المعاد 1/222-223 .
وقال العلامة ابن القيم أيضاً :[ ثم كان يرفع رأسه مكبراً – من السجود - غير رافعٍ يديه ] زاد المعاد1/238 .
ويدل على عدم الرفع في غير المواطن الأربعة السابقة ما جاء في حديث ابن عمر السابق :( ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود ) وفي الرواية الثانية :( ولا يرفعهما بين السجدتين ).
وفي الرواية الثالثة :( ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود ). وهذا النص الثابت في الصحيحين لا يصح العدول عنه حتى يقوم دليلٌ صحيحٌ يثبت الرفع ولم يقم دليلٌ على ذلك .
قال الشوكاني بعد أن ذكر بعض الروايات الواردة في رفع اليدين عند السجود وعند الرفع منه قال :[ وهذه الأحاديث لا تنتهض للاحتجاج بها على الرفع في غير تلك المواطن فالواجب البقاء على النص الثابت في الصحيحين حتى يقوم دليل صحيح يقتضي تخصيصه كما قام في الرفع عند القيام من التشهد الأوسط ] نيل الأوطار 2/204 .
وأما ما ذهب إليه الشيخ العلامة الألباني من إثبات رفع اليدين عند السجود وعند الرفع منه وأنه لا تعارض بين حديث ابن عمر وبين الأحاديث المثبتة للرفع عند السجود والرفع منه لأن حديث ابن عمر نافٍ والمثبت مقدم على النافي كما تقرر في علم الأصول . انظر تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص172 .
فكلام الشيخ الألباني غير مسلَّم ، لأن النفي هنا في قوة الإثبات وابن عمر من أكثر الصحابة اتباعاً للنبي ، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين :[ … لأن رفع اليدين عند السجود ليس بسنة فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وهو من أشد الناس حرصاً على السنة وأضبط الناس لها أنه ذكر ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يرفع يديه إذا كبر للإحرام وإذا كبر للركوع وإذا رفع من الركوع قال : وكان لا يفعل ذلك في السجود ولا إذا قام من السجود ) والرجل قد ضبط وفصَّل وبيَّن وليس هذا من باب النفي المجرد ، هذا نفي يدل على إثبات ترك الفعل لأن الرجل قد تحرى الصلاة وضبط تكبيره ورفعه عند الدخول في الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه فأثبت التكبير والرفع في ثلاثة مواضع ونفى الرفع في السجود وعند القيام من السجود وعلى هذا فليس من السنة أن يرفع يديه إذا سجد وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يرفع في كل خفض ورفع ولكن الحافظ ابن القيم رحمه الله ذكر أن هذا وهم وأن صواب الحديث ( كان يكبر في كل خفض ورفع ) ووجه الوهم فيه حديث ابن عمر فإنه صريح بعدم الرفع عند السجود وعند الرفع من السجود وليس هذا من باب تعارض مثبت ومنفي حتى نقول بالقاعدة المشهورة : إن المثبت مقدم على النافي لأن النفي هنا في قوة الإثبات فإنه رجل يحكي عن عمل واحد فصَّلَه قال : هذا فيه كذا وأثبته وهذا ليس فيه كذا ونفاه وفرق بين النفي المطلق وبين النفي المقرون بالتفصيل فإن النفي المقرون بالتفصيل دليل على أن صاحبه قد ضبط حتى وصل إلى هذه الحال عرف ما ثبت فيه الرفع وما لم يثبت فيه الرفع وعلى هذا فنقول إن حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين مقدم على ذلك الحديث الضعيف والوهم فيه قريب ] الشرح الممتع على زاد المستقنع 3/149-151 .
وقال العلامة ابن عثيمين في موضع آخر :[ بالنسبة لرفع اليدين حذو المنكبين فالصواب أن الأمر فيه واسع ويكون في أربعة مواضع عند التكبير وعند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام من التشهد الأول هذا هو الذي ثبت عنه وأما ما روي أنه يرفع في كل رفع وخفض فإن هذا من باب الوهم وهو أن الراوي نقل حكم التكبير إلى الرفع فإن الذي ثبت فعله عن النبي صلى الله عليه و سلم في كل خفض ورفع إنما هو التكبير ويدل لذلك أن ابن عمر رضي الله عنهما أخبر أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يرفع يديه في هذه المواضع الأربعة كما أخبر أنه لا يفعل ذلك في السجود فجزم أنه لا يفعله في السجود مما يدل على أن ابن عمر رضي الله عنهما كان مشاهداً للنبي في رفعه وعدم رفعه وعلى ذلك يكون ابن عمر رضي الله عنهما مثبتاً للترك فالصواب أنه لا رفع إلا في هذه المواضع الأربعة ] فتاوى منار الإسلام 1/162-163 .
وخلاصة الأمر أن من السنة رفع اليدين في المواضع الأربعة المذكورة ولا رفع فيما عداها .


 


حكم من يصلي الفريضة ولا يصلي النافلة



يقول السائل : ما حكم من يصلي الفريضة ولا يصلي النافلة ؟
الجواب : المطلوب من المسلم أن يحافظ على الصلاة محافظة تامة فيصلي الفرائض والسنن وإن التقصير في النافلة قد يؤدي إلى التقصير في الفريضة . والنوافل بمثابة سياج للفرائض فإذا حصل نقص في الفرائض أكمل من النوافل وخاصة إن كثيراً من المصلين لا يعطون الصلاة المفروضة حقها فلا يتمونها وقد جاء في الحديث عن أبي اليسر كعب بن عمرو السلمي  أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع والخمس حتى بلغ العشر ) رواه النسائي بإسناد حسن كما قال المنذري وحسنه الألباني أيضاً .انظر صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم 539 .
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :( إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها ) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم 538 .
فإذا حصل نقص في صلاة الفريضة فإن النقص يكمل من النوافل فلذا على المسلم أن يحافظ على النوافل وقد ورد في الحديث عن حريث بن قبيصة قال : قدمت المدينة فقلت : اللهم يسر لي جليساً صالحاً قال فجلست إلى أبي هريرة فقلت : إني سألت الله أن يرزقني جليساً صالحاً فحدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم لعل الله أن ينفعني به ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب تبارك وتعالى : انظروا هل لعبدي من تطوع ؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك ) رواه الترمذي وحسنه ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/130 .
وجاء في رواية أخرى عن تميم الداري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن أكملها كتبت له نافلة فإن لم يكن أكملها يقول الله سبحانه لملائكته انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع ؟ فأكملوا بها ما ضيع من فريضته ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 1/241 .
قال الحافظ ابن عبد البر :[ أما إكمال الفريضة من التطوع فإنما يكون ذلك – والله أعلم – فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها أو لم يحسن ركوعها ولم يدر قدر ذلك وأما من تعمد تركها أو نسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامداً واشتغل بالتطوع عن أداء فرضه وهو ذاكر له فلا تكمل له فريضته تلك من تطوعه والله أعلم ] فتح المالك 3/297 .
وقال الإمام ابن العربي المالكي شارحاً لحديث أبي هريرة الأول :[ يحتمل أن يكون يكمل له ما نقص من فرض الصلاة وأعدادها بفضل التطوع ويحتمل ما نقصه من الخشوع والأول عندي أظهر لقوله : ثم الزكاة كذلك وسائر الأعمال وليس في الزكاة إلا فرض أو فضل فكما يكمل فرض الزكاة بفضلها كذلك الصلاة وفضل الله أوسع ووعده أنفذ وعزمه أعم وأتم ] عارضة الأحوذي 2/175-176 .
وقال الحافظ العراقي :[ يحتمل أن يراد به ما انتقصه من السنن والهيئات المشروعة فيها من الخشوع والأذكار والأدعية وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة وإن لم يفعله فيها وإنما فعله في التطوع ويحتمل أن يراد به ما انتقص أيضاً من فروضها وشروطها ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأساً فلم يصله فيعوض عنه من التطوع والله سبحانه وتعالى يقبل من التطوعات الصحيحة عوضاً عن الصلوات المفروضة ] تحفة الأحوذي 2/384 .
وقال العلامة علي القاري في بيان ما جاء في الحديث :[ انظروا هل لعبدي من تطوع …) - أي - في صحيفته وهو أعلم به منهم أي : سنة أو نافلة من صلاة على ما هو ظاهر من السياق قبل الفرض أو بعده أو مطلقاً ولم يعلم العبد نقصان فرضه حتى يقضيه فيكمَّل : بالتشديد ويخفف على بناء الفاعل أو المفعول وهو الأظهر وبالنصب ويرفع بها : أي بنافلته قال ابن الملك : أي بالتطوع وتأنيث الضمير باعتبار النافلة قال الطيبي : الظاهر نصب فيكمَّل على أنه من كلام الله سبحانه وتعالى جواباً للاستفهام ويؤيده رواية أحمد فكمِّلوا بها فريضته وإنما أنث ضمير التطوع في بها نظراً إلى الصلاة ، ما انتقص من الفريضة أي : مقداره ثم يكون سائر عمله من الصوم والزكاة وغيرهما على ذلك أي : إن ترك شيئاً من المفروض يكمَّل له بالتطوع .
وفي رواية ثم الزكاة مثل ذلك : يعني : الأعمال المالية مثل الأعمال البدنية على السوية ثم تؤخذ الأعمال أي : سائر الأعمال من الجنايات والسيئات على حسب ذلك من الطاعات والحسنات فإن الحسنات يذهبن السيئات وقال ابن الملك أي : على حسب ذلك المثال المذكور فمن كان حق عليه لأحد يؤخذ من عمله الصالح بقدر ذلك ويدفع إلى صاحبه ] المرقاة 3/142 .
وخلاصة الأمر أن على المسلم المحافظة على الصلاة بشكل عام ، الفرض منها والسنة فإن النوافل والسنن تكمل ما يطرأ على صلاة الفريضة من نقص وكثير من المصلين تكون صلاة الفريضة عنده ناقصة إلا من رحم الله جل وعلا .

 


حكم القنوت في صلاة الفجر



يقول السائل : اختلف المصلون في المسجد الذي نصلي فيه في مسألة القنوت في صلاة الفجر أرجو توضيح ذلك .
الجواب : ثبت في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه و سلم قنت في صلاة الفجر شهراً يدعو في قنوته على أحياء من أحياء العرب ثم تركه ) رواه البخاري ومسلم .
وثبت ( أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقنت في صلاة المغرب والفجر ) رواه مسلم .
وجاء في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :( قنت رسول الله صلى الله عليه و سلم شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على أحياء من بني سليم على رعل وذكوان وعصية ويؤمِّن من خلفه ) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث حسن ، كما في صحيح سنن أبي داود 1/271 .
ووردت أحاديث أخرى في قنوت النبي صلى الله عليه و سلم في الصلوات المفروضات وهذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقنت في النوازل وعند حلول المصائب في الصلوات الخمس وليس في صلاة الفجر فقط . لذا فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن القنوت ليس خاصاً بصلاة الفجر وإنما يقنت في الصلوات الخمس عند حلول المصائب فقط .
وأما القنوت في الفجر دائماً وباستمرار ، فليس بثابت عن النبي صلى الله عليه و سلم على الراجح من أقوال أهل العلم .
قال العلامة ابن القيم :[ وقنت صلى الله عليه و سلم في الفجر بعد الركوع شهراً ثم ترك القنوت ولم يكن من هديه صلى الله عليه و سلم القنوت فيها دائماً ومن المحال أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان في كل غداة – أي صلاة الفجر - بعد اعتداله من الركوع يقول :( اللهم اهدني فيمن هديت وتولني فيمن توليت … إلخ ) ويرفع بذلك صوته ويؤمِّن عليه أصحابه دائماً إلى أن فارق الدنيا ثم لا يكون ذلك معلوماً عند الأمة بل يضيعه أكثر أمته وجمهور أصحابه بل كلهم حتى يقول من يقول منهم : إنه محدث كما ، قال سعد بن طارق الأشجعي قلت لأبي :( يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم هاهنا وبالكوفة منذ خمس سنين فكانوا يقنتون في الفجر ؟ فقال : أي بني محدث ). رواه أهل السنن وأحمد وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
وذكر الدار قطني عن سعيد بن جبير قال : أشهد أني سمعت ابن عباس يقول : إن القنوت في صلاة الفجر بدعة . وذكر البيهقي عن أبي مجلز قال : صليت مع ابن عمر صلاة الصبح فلم يقنت فقلت له : لا أراك تقنت فقال : لا أحفظه عن أحد من أصحابنا .
ومن المعلوم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لو كان يقنت كل غداة ويدعو بهذا الدعاء ويؤمِّن الصحابة لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها وعددها ووقتها وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها جاز عليهم تضييع ذلك ولا فرق ] زاد المعاد في هدي خير العباد 1/271-272 .
وأما ما ورد أن النبي صلى الله عليه و سلم داوم على القنوت في الفجر فليس بثابت عند أهل العلم ، والحديث الوارد في ذلك وهو عن أنس رضي الله عنه قال :( ما زال رسول الله صلى الله عليه و سلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا ) فهو حديث ضعيف لا تقوم به الحجة . انظر السلسلة الضعيفة 3/384-388 .
وبناءً على ما تقدم فإن القول الراجح في هذه المسألة هو عدم المداومة على القنوت في الفجر وإنما يقنت عند النوازل والمصائب والبلايا حيث إن النبي صلى الله عليه و سلم قنت وترك القنوت وتركه القنوت أكثر من فعله له فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم وللدعاء على آخرين ثم تركه لما قدم من دعا لهم وتخلصوا من الأسر وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين فكان قنوته لعارض فلما زال ترك القنوت ولم يخصه بالفجر .
فالمطلوب من المسلمين أن يقنتوا حيث قنت رسول الله ويتركوا القنوت حيث تركه وهذا هو الاقتداء المطلوب شرعاً ففعله سنة وتركه سنة .
ومع هذا لا ينبغي الإنكار على من داوم على القنوت ولا الإنكار على من تركه ، بل من قنت فقد أحسن وخاصة مع كثرة المصائب والكوارث التي حلت وتحل بالمسلمين في هذه الأيام ومن تركه فقد أحسن ولا يترتب على فعل القنوت أو تركه بطلان الصلاة عند القائل بمشروعية القنوت أو عدم مشروعيته من الفقهاء . انظر زاد المعاد 1/274-275 .



السهو عن الجلوس الأوسط



يقول السائل : إن إمام مسجدهم قد سها في صلاة العشاء فقام من الركعة الثانية إلى الثالثة دون أن يجلس للتشهد الأوسط ولم يقم المصلون معه بل سبحوا ثم رجع الإمام إلى الجلوس وأتمَّ الإمام الصلاة وسجد للسهو . وبعد الانتهاء من الصلاة قام أحد المصلين وقال إن الصلاة باطلة ثم أعادوا الصلاة جميعاً . فما قولكم ؟
الجواب : النسيان والسهو من الأمور الملازمة للإنسان والسهو في الصلاة واقع فقد سها النبي صلى الله عليه و سلم أكثر من مرة في صلاته كما ثبت ذلك في عدة أحاديث منها :عن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه أنه قال :( صلى لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ركعتين من بعض الصلوات ، ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلَّم ) رواه البخاري ومسلم .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه :( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الظهر خمساً فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ فقال : وما ذاك ؟ قال : صليت خمساً فسجد سجدتين بعدما سلَّم ) رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين ثم أتى جذعاً في قبلة المسجد فاستند إليها مغضباً وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما وخرج سرعان الناس قصرت الصلاة فقام ذو اليدين فقال : يا رسول الله صلى الله عليه و سلمأقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فنظر النبي صلى الله عليه و سلم يميناً وشمالاً فقال : ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : صدق لم تصل إلا ركعتين فصلى ركعتين وسلَّم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع قال : وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال : وسلَّم ) رواه البخاري ومسلم . وغير ذلك من الأحاديث .وسجود السهو واجب في الصلاة إذا وُجد المقتضي له على الراجح من أقوال أهل العلم كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 23/27-28
إذا تقرر هذا فأعود إلى جواب السؤال فأقول :إذا سها الإمام بعد الركعتين الأوليين فقام إلى الثالثة فينبغي أن لا يرجع ويتم صلاته ثم يسجد للسهو . وأما إذا عاد إلى الجلوس بعد أن استتم قائماً فقد أساء وأتى مكروهاً وصلاته لا تبطل بل صحيحة وهذا قول جمهور أهل العلم . قال الحافظ ابن عبد البر شارحاً لحديث عبد الله بن بحينة المذكور أولاً ما نصه :[ وفي هذا الحديث من الفقه أن المصلي إذا قام من اثنتين واعتدل قائماً لم يكن له أن يرجع وإنما قلنا واعتدل قائماً لأن الناهض لا يسمى قائماً حتى يعتدل على الحقيقة وإنما القائم المعتدل وفي حديثنا هذا : ثم قام وإنما قلنا لا ينبغي له إذا اعتدل قائماً أن يرجع لأنه معلوم أن من اعتدل قائماً في هذه المسألة لا يخلو من أن يذكر بنفسه أو يُذكِّره من خلفه بالتسبيح ولا سيما قوم قيل لهم : من نابه شيء في صلاته فليسبح وهم أهل النهى وأولى من عمل بما حفظ ووعى وأي الحالين كانت فلم ينصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الجلوس بعد قيامه فكذلك ينبغي لكل من قام من اثنتين أن لا يرجع فإن رجع إلى الجلوس بعد قيامه لم تفسد صلاته عند جمهور العلماء وإن اختلفوا في سجود سهوه وحال رجوعه وقد قال بعض المتأخرين : تفسد صلاته وهو قول ضعيف لا وجه له لأن الأصل ما فعله وترك الرجوع رخصة وتنبيه على أن الجلسة لم تكن فرضاً والله أعلم ] فتح المالك 2/204 .
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي :[ فأما القيام في موضع الجلوس ففي ثلاث صور إحداها : أن يترك التشهد الأول ويقوم وفيه ثلاث مسائل : الأولى ذكره قبل اعتداله قائماً فيلزمه الرجوع إلى التشهد وممن قال يجلس : علقمة والضحاك وقتادة والأوزاعي والشافعي وابن المنذر وقال مالك : إن فارقت أليتاه الأرض مضى وقال حسان بن عطية : إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى . ولنا : ما روى المغيرة بن شعبة  عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( فإذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس فإذا استتم قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو ) رواه أبو داود وابن ماجة ولأنه أخل بواجب ذكره قبل الشروع في ركن مقصود فلزمه الإتيان به كما لو لم تفارق أليتاه الأرض .
المسألة الثانية: ذكره بعد اعتداله قائماً وقبل شروعه في القراءة فالأولى له أن لا يجلس وإن جلس جاز نص عليه – أي الإمام أحمد - قال النخعي : يرجع ما لم يستفتح القراءة وقال حماد بن أبي سليمان : إن ذكر ساعة يقوم جلس .
ولنا : حديث المغيرة وما نذكره فيما بعد ولأنه ذكره بعد الشروع في ركن فلم يلزمه الرجوع كما لو ذكره بعد الشروع في القراءة ويحتمل أنه لا يجوز له الرجوع لحديث المغيرة ولأنه شرع في ركن فلم يجز له الرجوع كما لو شرع في القراءة .
المسألة الثالثة : ذكره بعد الشروع في القراءة فلا يجوز له الرجوع ويمضي في صلاته في قول أكثر أهل العلم وممن روي عنه أنه لا يرجع عمر وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود والمغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير وابن الزبير والضحاك بن قيس وعقبة بن عامر وهو قول أكثر الفقهاء ] المغني 2/20 .
والحديث الذي ذكره الشيخ ابن قدامة رواه أبو داود وابن ماجة وقال أبو داود بعد أن ذكره :[ وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث ] وجابر الجعفي ضعيف لا يحتج به عند كثير من أهل الحديث . انظر عون المعبود 3/247 والتلخيص الحبير 2/4 . وكلام أبو داود يشير إلى أن الحديث ضعيف . ولكن الشيخ الألباني صحح الحديث لشواهده . انظر السلسلة الصحيحة الجزء الأول حديث رقم 321 .
وقد ذكر العلامة ابن عثيمين أن المصلي إن عاد بعد أن استتم قائماً فقد أتى مكروهاً ولم تبطل صلاته لأنه لم يفعل محرماً . الشرح الممتع على زاد المستقنع 3/512 .
وأخيراً أنبه على أن جماعة من العلماء كالحنفية والشافعية ذهبوا إلى إبطال صلاة من عاد من القيام إلى الجلوس ولكن قولهم مرجوح . ويضاف إلى ما سبق أن عدداً ليس قليلاً من أئمة المساجد والمصلين الذين يقعون في هذا السهو يجهلون الحكم الشرعي له وقد قال جمهور العلماء إن المصلي إذا عاد للتشهد الأوسط بعد أن استتم قائماً ناسياً أو جاهلاً فإن صلاته لا تبطل لما ورد في الحديث من قول النبي صلى الله عليه و سلم :( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) رواه ابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي . انظر الموسوعة الفقهية 24/245 .
وقال الحطاب الفقيه المالكي معلقاً على كلام الشيخ خليل :[ ولا تبطل إن رجع ولو استقل يعني أن من فارق الأرض بيديه وركبتيه إذا قلنا إنه لا يرجع فرجع فلا تبطل صلاته وسواء رجع عمداً أو سهواً أو جهلاً ] مواهب الجليل لشرح مختصر خليل 2/338 .
وخلاصة الأمر أنه لا ينبغي إبطال صلاة المصلين ما دام يمكن حملها على الصحة . لأن إبطال صلاة المصلين ليس أمراً هيناً .


سنة العصر



يقول السائل : هل لصلاة العصر سنة راتبة ؟
الجواب : ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يصلي قبل العصر ركعتين وأحياناً أربع ركعات ولكن الراجح من أقوال أهل العلم أن هذه الصلاة لم تكن راتبة لذا لم يعتبرها المحققون من العلماء من السنن الرواتب بل اعتبروها من السنن المستحبة وبعضهم يعتبرها من السنن غير المؤكدة وهي السنن التي لم يواظب النبي صلى الله عليه و سلم عليها ، ومن الأحاديث الواردة في الصلاة قبل العصر ما يلي :
عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( رحم الله امرءً صلى قبل العصر أربعاً ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ورواه ابن خزيمة وابن حبان وصححاه وحسنه الألباني انظر صحيح الترغيب والترهيب 1/382 .
وعن علي رضي الله عنه قال :( كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين ) رواه الترمذي وحسنه وقال الألباني سنده حسن . مشكاة المصابيح 1/368 .
وعن علي رضي الله عنه أيضاً قال :( كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي قبل العصر ركعتين ) رواه أبو داود وإسناده صحيح كما قال الإمام النووي في المجموع 4/8 .وقال الألباني إسناده حسن انظر المصدر السابق .
ومما يؤيد صـلاة ركعتين قبـل العصر عموم قول النبي صلى الله عليه و سلم :( بين كل أذانين صلاة ) وهو حديث صحيح . والمقصود بالأذانين الأذان والإقامة .
وبناء على هذه الأحاديث المتقدمة فإن المصلي مخير بين أن يصلي ركعتين أو أربعاً قبل العصر جمعاً بين هذه الأحاديث والأربع أفضل ، انظر عون المعبود 4/105 . واختار الحنفية والإمام أحمد في رواية صلاة أربع ركعات قبل العصر ، انظر غاية المرام 5/391 .
قال الشوكاني :[ والأحاديث المذكورة تدل على استحباب أربع ركعات قبل العصر والدعاء منه صلى الله عليه و سلم بالرحمة لمن فعل ذلك والتـصريح بتحريم بدنه على النار مما يتنافس فيه المتنافسون ) نيل الأوطار 3/21 .

 


صلاة العصر هي الصلاة الوسطى



يقول السائل : إنه سمع أحد العلماء على إحدى القنوات الفضائية يذكر أن الصلاة الوسطى المذكورة في قوله تعالى :( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ) أنها صلاة الجمعة لما لها من فضائل وأن المسلم يتهيأ لها ويتطيب ويلبس أجمل ثيابه ونحو ذلك فما قولكم فيما قال ؟
الجواب : لقد أمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات جميعاً والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه فينبغي للمسلم أن يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها بجميع أركانها وشروطها وسننها وآدابها وخص الصلاة الوسطى بالذكر لأهميتها وفضلها والوسطى تأنيث الأوسط ووسط الشيء خيره وأعدله . انظر تفسير القرطبي 3/208-209 .
وقد اختلف أهل العلم على أقوال عديدة في المراد بالصلاة الوسطى المذكورة في قوله تعالى :( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) سـورة الـبقرة الآية 238
وأرجح الأقوال وأصحها أنها صلاة العصر ويدل على ذلك ما يلي :
عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال يوم الخندق :( حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله قبورهم وبيوتهم أو أجوافهم ناراً ) رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم عن علي رضي الله عنه قال :( لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ).
وفي رواية أخرى لمسلم :( شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً ثم صلاها بين العشائين بين المغرب والعشاء ).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :( حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه و سلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً أو قال : حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً ) رواه مسلم .
وروى الترمذي بإسناده عن عبد الله بن مسعود رشي الله عنه قال :( قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة الوسطى صلاة العصر ) وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
وروى الترمذي أيضاً عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :( صلاة الوسطى صلاة العصر ). وقال الترمذي :[ وفي الباب عن علي وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعائشة وحفصة وأبي هريرة وأبي هاشم بن عتبة ، قال أبو عيسى - الترمذي - قال محمد - هو البخاري - قال علي بن عبد الله حديث الحسن عن سمرة بن جندب حديث صحيح وقد سمع منه .
وقال أبو عيسى الترمذي :( حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وغيرهم ) سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي 1/456 .
وعن علي رضي الله عنه قال كنا نراها الفجر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هي صلاة العصر يعني صلاة الوسطى . رواه أحمد وسنده جيد . الفتح الرباني 2/261.
وعن عبيدة السلماني قال كنا نرى أن صلاة الوسطى صلاة الصبح قال فحدثنا علي رضي الله عنه أنهم يوم الأحزاب اقتتلوا وحبسونا عن صلاة العصر فقال النبي صلى الله عليه و سلم اللهم املأ قبورهم نارا أو املأ بطونهم نارا كما حبسونا عن صلاة الوسطى قال فعرفنا يومئذ أن صلاة الوسطى صلاة العصر . رواه أحمد .
وعن البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية ( حافظوا على الصلوات وصلاة العصر ) فقرأناها ما شاء الله أن نقرأها ثم نسخها الله فنزلت ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ) فقال رجل كان جالساً عند شقيق له : هي إذن صلاة العصر فقال البراء : قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى والله أعلم . رواه مسلم . وغير ذلك من الأدلة .
وقد اختار هذا القول جماعة من أهل العلم . قال الإمام النووي :[ اختلف العلماء من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم في الصلاة الوسطى المذكورة في القرآن فقال جماعة : هي العصر ممن نقل هذا عنه علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبو أيوب وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم رضي الله عنهم . قال الترمذي : هو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم رضي الله عنهم . وقال الماوردي من أصحابنا : هذا مذهب الشافعي رحمه الله لصحة الأحاديث فيه ، قال وإنما نص على أنها الصبح لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحـيـحة في الـعـصر ومـذهـبـه اتـبـاع الـحـديـث ] شرح النووي على صحيح مسلم 2/268 .
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى في قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وغيرهم منهم علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو أيوب وأبو سعيد وعبيدة السلماني والحسن والضحاك وأبو حنيفة وأصحابه ] المغني 1/274
وقال المرداوي :[ قوله عن العصر وهي الوسطى هو المذهب نص عليه الإمام أحمد وقطع به الأصحاب ولا أعلم عنه خلافاً ولا فيه خلافاً ] الإنصاف 1/432 .
وقد عدد الحافظ ابن حجر أقوال العلماء في المسألة وأوصلها إلى عشرين قولاً وذكر القول الثالث أنها العصر فقال :[ قول علي بن أبي طالب فقد روى الترمذي والنسائي من طريق زر بن حبيش قال : قلنا لعبيدة سل علياً عن الصلاة الوسطى فسأله فقال : كنا نرى أنها الصبح حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول يوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ... انتهى ، وهذه الرواية تدفع دعوى من زعم أن قوله صلاة العصر مدرج من تفسير بعض الرواة وهي نص في أن كونها العصر من كلام النبي صلى الله عليه و سلم وأن شبهة من قال إنها الصبح قوية لكن كونها العصر هو المعتمد وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة وقول أحمد والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه ، قال الترمذي هو قول أكثر علماء الصحابة . وقال الماوردي هو قول جمهور التابعين وقال ابن عبد البر هو قول أكثر أهل الأثر وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية ويؤيده أيضاً ما روى مسلم عن البراء بن عازب قال نزل حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخت فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل فهي إذن صلاة العصر . فقال أخبرتك كيف نزلت ] فتح الباري 9/262 .
ثم قال الحافظ :[ وأقوى شبهة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث حديث البراء الذي ذكرته عند مسلم فإنه يشعر بأنها أبهمت بعدما عينت كذا قاله القرطبي قال : وصار إلى أنها أبهمت جماعة من العلماء المتأخرين قال وهو الصحيح لتعارض الأدلة وعسر الترجيح . - قال الحافظ - وفي دعوى أنها أبهمت ثم عينت من حديث البراء نظر بل فيه أنها عينت ثم وصفت ولهذا قال الرجل فهي إذن العصر ولم ينكر عليه البراء . نعم جواب البراء يشعر بالتوقف لما نظر فيه من الاحتمال وهذا لا يدفع التصريح بها في حديث علي .
ومن حجتهم أيضاً ما روى مسلم وأحمد من طريق أبي يونس عن عائشة أنها أمرته أن يكتب لها مصحفاً فلما بلغت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال فأملت علي وصلاة العصر قالت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه و سلم . وروى مالك عن عمرو بن رافع قال : قال كنت أكتب مصحفاً لحفصة فقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني فأملت عليَّ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ....
ثم ذكر الحافظ عدة روايات لهذا الحديث ثم قال : فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى . وأجيب بأن حديث علي ومن وافقه أصح إسناداً وأصرح وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها وهي العصر فيحتمل أن تكون الواو زائدة ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبي ابن كعب أنه كان يقرؤها حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر بغير واو أو هي عاطفة لكن عطف صفة لا عطف ذات وبأن قوله والصلاة الوسطى والعصر لم يقرأ بها أحد ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولاً والعصر ثم نزلت ثانياً بدلها والصلاة الوسطى فجمع الراوي بينهما ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال فكيف يكون مقدماً على النص الصريح بأنها صلاة العصر ؟
قال شيخ شيوخنا الحافظ صلاح الدين العلائي : حاصل أدلة من قال إنها غير العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع : أحدها تنصيص بعض الصحابة وهو معارض بمثله ممن قال منهم إنها العصر ويترجح قول العصر بالنص الصريح المرفوع وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره فتبقى حجة المرفوع قائمة .
ثانيها معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحث على المواظبة على الصبح والعشاء ... وهو معارض بما هو أقوى منه وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر ...
ثالثها ما جاء عن عائشة وحفصة من قراءة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر فإن العطف يقتضي المغايرة وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد وهو ممتنع وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلف فيه . سلمنا لكن لا يصلح معارضاً للمنصوص صريحا وأيضاً فليس العطف صريحاً في اقتضاء المغايرة لوروده في نسق الصفات كقوله تعالى :( الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ) ] فتح الباري 9/263-264 .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :[ فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الصلاة الوسطى هي العصر وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم وإن كان للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة فإنهم تكلموا بحسب اجتهادهم ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 23/106 .
وقد رجح هذا القول الإمام ابن دقيق العيد وقال هذا هو القول الصحيح في المسألة كما في إحكام الأحكام شرح عمدة الحكام 1/171 .
وقال الشوكاني:[ وهو المذهب الحق الذي يتعين المصير إليه ولا يرتاب في صحته من أنصف من نفسه واطرح التقليد والعصبية وجوًّد النظر إلى الأدلة ] نيل الأوطار 1/264
وخلاصة الأمر أن ما قاله الشيخ المذكور بأن الصلاة الوسطى هي الجمعة قول ضعيف ليس معه دليل كما أنه مخالف للأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم في المسألة .

 


لا يشترط النوم قبل صلاة القيام



يقول السائل : هل من الواجب على الإنسان أن يكون قد نام بعد صلاة العشاء حتى تصح صلاة قيام الليل في حقه؟
الجواب : صلاة قيام الليل من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم وقد ورد في فضلها نصوص كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله فمن ذلك : قوله تعالى :( كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) سورة الذاريات الآية 17 . وقال تعالى :( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) سورة السجدة الآية 16 .
وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ] رواه مسلم . وصح في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت :( كان النبي صلى الله عليه و سلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقلت له : لم تصنع هذا يا رسول الله صلى الله عليه و سلموقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبداً شكوراً ) رواه البخاري ومسلم .
وعن أبي سعيد الخدري  قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم :( إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعاً كتبا من الذاكرين والذاكرات ) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي في رياض الصالحين ص468 . وغير ذلك من النصوص .
وقد اتفق أهل العلم على أن صلاة الليل لا تكون إلا بعد صلاة العشاء ولا يشترط لصحة قيام الليل أن ينام الإنسان قبلها فلو بقي مستيقظاً إلى نصف الليل ثم صلى ما كتب له ثم نام فصلاته صحيحة باتفاق العلماء . ومن العلماء من قال إذا نام الإنسان من أول الليل ثم استيقظ فصلى ما كتب له فهذا هو التهجد . قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى :( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) سورة الإسراء الآية 79:[ والتهجد التيقظ بعد رقدة فصار اسماً للصلاة لأنه ينتبه لها . فالتهجد القيام من الصلاة إلى النوم ، قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم . وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تهجد ! إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة . كذلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ] تفسير القرطبي 10/308 .
وأفضل وقت لقيام الليل هو نصف الليل الآخر أو ثلث الليل الآخر فهذا أفضل من أوله وقد ورد في الحديث ( أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل أي الليل أسمع ؟ قال : جوف الليل الآخر فصل ما شئت ) رواه الترمذي وقال حسن صحيح .
وخلاصة الأمر أنه لا يشترط لصحة صلاة قيام الليل أن ينام قبلها .




شروط الجمع بين الصلاتين بسبب المطر



يقول السائل : متى يكون الجمع بين الصلاتين بسبب المطر صحيحاً وأرجو بيان شروطه ؟
الجواب : إن الأصل في الصلوات الخمس أن تؤدى في الأوقات المخصصة لها شرعاً قال الله تعالى :( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) سورة النساء الآية 103 . ويدل على ذلك أيضاً حديث إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه و سلم وهو حديث صحيح مروي في دواوين السنة .
والجمع بين الصلاتين رخصة حيث وجدت أسبابها .
وإن من المؤسف أن بعض أئمة المساجد وكذا بعض عامة الناس يتساهلون في الجمع بين الصلاتين بسبب المطر فنرى بعضهم يجمع بدون سبب موجب كأن يكون المطر صباحاً فيجمع الإمام بين المغرب والعشاء وكذلك يجمعون بين الظهر والعصر ثم ينطلقون إلى أعمالهم وأسواقهم ولا يمنعهم المطر عنها وإنما منعهم عن الصلاة فقط .
ومثل هذا التساهل جمع المنفرد في بيته بين الصلاتين بسبب المطر كما يزعمون ونحو ذلك من التساهل .
وقد أجاز جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة الجمع بين الصلاتين بسبب المطر على تفصيل عندهم أوضحه بما يلي :الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بسبب المطر أجازه الشافعية في القول المعتمد عندهم ومنعه المالكية والحنابلة .
والجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر أجازه المالكية والشافعية والحنابلة والأدلة في الجمع بين المغرب والعشاء أقوى منها في الجمع بين الظهر والعصر ومن المعلوم أن لا جمع عند الحنفية إلا في عرفة ومزدلفة فقط . وعلى كل حال فإن الجمع بين الصلاتين للمطر عند القائلين به هو رخصة شرعية مقيدة بسبب وهو المطر فلا بد من التقيد بذلك ومن المعلوم أن هذه الرخصة شرعت من أجل رفع الحرج ودفع المشقة عن المصلين لتحصيل صلاة الجماعة .
وعليه فمن أخذ برأي العلماء القائلين بالجمع بين الصلوات للمطر فلا بد أن يلتزم بما قرره هؤلاء العلماء من سبب لهذا الجمع . فالشافعية الذين يقولون بالجمع بين الظهر والعصر للمطر وكذا المغرب والعشاء نصوا على أن سبب الجمع وجود مطر يبل الثياب ولا يجمع لأجل مطر لا يبل الثياب . انظر المجموع4/381 .
وقال الشيخ ابن عثيمين :[ قوله " لمطر يبل الثياب " يعني إذا كان هناك مطر يبل الثياب لكثرته وغزارته فإنه يجوز الجمع بين العشائين فإن كان المطر قليلاً لا يبل الثياب فإن الجمع لا يجوز لأن هذا النوع من المطر لا يلحق المكلف فيه مشقة بخلاف الذي يبل الثياب ولا سيما إذا كان في أيام الشتاء فإنه يلحقه مشقة من جهة البلل ومشقة أخرى من جهة البرد ولا سيما إذا انضم إلى ذلك ريـح فإنها تزداد المشقة ] الشرح الممتع 4/555 .
كما أن العلماء القائلين بالجمع للمطر نصوا على وجود العذر وهو المطر عند الإحرام بالصلاة الأولى ومنهم من اعتبره حال الإحرام بالثانية أيضاً قال الإمام الشافعي :[ ولا يجمع إلا والمطر مقيم في الوقت الذي تجمع فيه فإن صلى إحداهما ثم انقطع المطر لم يكن له أن يجمع الأخرى إليها ] الأم 1/95 . وقال الإمام النووي :[ ويشترط وجود المطر في أول الصلاتين باتفاق الأصحاب ] المجموع 4/382 . وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي :[ ومتى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع ] المغني 2/207 . وقد نص العلماء القائلون بالجمع للمطر على أن الجمع رخصة لمن يصلي في المسجد جماعة وهذا قول المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة وعليه لا يجوز الجمع للمنفرد الذي يصلي في بيته . قال الإمام الشافعي :[ ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه ، قَرُبَ المسجد أو كثر أهله أو قلَّوا أو بعدوا ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي صلى الله عليه و سلم جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد ] الأم 1/95 . وانظر الجمع بين الصلاتين في المطر ص226 .
وعلل ذلك الماوردي بأن الجمع يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع . الحاوي الكبير 2/399 .وقال الإمام النووي :[ قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه ] المجموع 4/381 .وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية ما نصه :[ المشروع أن يجمع أهل المسجد إذا وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع المطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع ] فتاوى اللجنة الدائمة 8/135 .
وهذا هو الموافق للحكمة من مشروعية الجمع وهي رفع الحرج ودفع المشقة عمن يصلي في المسجد فأي حرج أو مشقة في حق من صلى في بيته ؟
وأخيراً أنبه على بعض الأحكام المتعلقة بالجمع :
1. لا يشترط تقدم نية الجمع على الراجح من أقوال العلماء ولا يشترط للجمع أن يخبر الإمام المأمومين أنه يجمع فإن أخبرهم فحسن .
2. إذا جمعوا بين المغرب والعشاء فإنهم يصلون سنة المغرب بعد انتهائهم من الجمع أي بعد صلاة العشاء ثم يصلون سنة العشاء ولهم أن يصلوا الوتر أيضاً .
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي :[ وإذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي سنة الثانية ويوتر قبل دخول وقت الثانية لأن سنتها تابعة لها فتتبعها في فعلها ووقتها والوتر وقته ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته ] المغني 2/207 .
وقال الإمام النووي في كيفية صلاة سنة الظهر والعصر إذا جمع بينهما :[ والصواب الذي قاله المحققون أنه يصلي سنة الظهر التي قبلها ثم يصلي الظهر ثم العصر ثم سنة الظهر التي بعدها ثم سنة العصر ] روضة الطالبين 1/503 .
3. إن حضر المصلي إلى المسجد فوجدهم في صلاة العشاء وهو لم يصلِ المغرب فيدخل معهم بنية صلاة المغرب فإذا قام الإمام إلى الرابعة فالمأموم مخير بين حالين إما أن ينوي المفارقة فيسلم وإما أن يبقى جالساً منتظراً الإمام حتى يتم فيسلم معه والانتظار أفضل كما قال الإمام النووي في المجموع 4/270 .
وأخيراً أنبه على أن كثيراً من أهل العلم يرون أن ترك الجمع أفضل وأولى بسبب خلاف من رأى عدم جواز الجمع .
قال الإمام النووي :[ وترك الجمع أفضل بلا خلاف فيصلي كل صلاة في وقتها للخروج من الخلاف فإن أبا حنيفة وجماعة من التابعين لا يجوِّزونه . وممن نص على أن تركه أفضل الغزالي وصاحب التتمة . قال الغزالي في البسيط : لا خلاف أن ترك الجمع أفضل ] روضة الطالبين 1/505 . وقال ابن مفلح :[ وتركه أفضل ] الفروع 2/68 .
وقال المرداوي :[ يؤخذ من قول المصنف " ويجوز الجمع " أنه ليس بمستحب وهو كذلك بل تركه أفضل على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب ] الإنصاف 2/334 .
وخلاصة الأمر فإني أنصح أئمة المساجد بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع لأنه قد يوقع في معصية ألا وهي الجمع بين الصلاتين بدون عذر وقد ورد في بعض الآثار عن عمر  أنه قال :[ الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر ] رواه البيهقي وذكر أنه مرسل ثم روى بسنده أن عمر بن الخطاب  كتب إلى عامل له : ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى ) أبو قتادة العدوي أدرك عمر رضي الله عنه فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً ] السنن الكبرى 3/169 . وقوى الأثرين صاحب الجوهر النقي .

 


الجمع بسبب فرض نظام حظر التجول



يقول السائل : إن إمام المسجد عندهم يجمع بين المغرب والعشاء في هذه الأيام بسبب فرض نظام منع التجول حيث إن كثيراً من المصلين يخافون الحضور للمسجد وقت العشاء فهل يجوز هذا الجمع ؟
الجواب : من المعلوم عند أهل العلم أن الأصل أن تصلى الصلوات الخمس في أوقاتها المحددة شرعاً لقوله تعالى :( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) سورة النساء الآية 103 .وقد أجاز كثير من أهل العلم الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر لأعذار معتبرة شرعاً . ومن الأعذار التي تجيز الجمع بين الصلاتين عذر الخوف فقد صح في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :( صلَّى رسول الله صلى الله عليه و سلم الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر ) رواه مسلم وفي رواية أخرى عنه قال :( صلَّى رسول الله صلى الله عليه و سلم الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر . قال أبو الزبير - أحد الرواة - : فسألت سعيداً لم فعل ذلك ؟ فقال : سألت ابن عباس كما سألتني فقال : أراد أن لا يحرج أحداً من أمته ) رواه مسلم . وغير ذلك من الأدلة . وقد أجاز الجمع في الحضر لعذر الخوف جماعة من أهل العلم نقله عنهم الإمام النووي في المجموع 4/383 وفي شرحه على صحيح مسلم حيث قال :[ وذهب من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر ويؤيده ظاهر قول ابن عباس : أراد أن لا يحرج أمته فلم يعلله بمرض ولا غيره والله أعلم ] شرح النووي على صحيح مسلم 2/335 .
وذكر ابن مفلح أن الخوف يبيح الجمع في ظاهر كلام الإمام أحمد كالمرض ونحوه وأولى لمفهوم قول ابن عباس من غير خوف ولا مطر . الفروع 2/71 .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على حديث ابن عباس السابق :[ قال ( من غير خوف ولا مطر ) وقال ( ولا سفر ) … والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا بهذا وبهذا استدل أحمد على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى وهذا من باب التنبيه بالفعل فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع والجمع لها أولى من الجمع لغيرها ] مجموع الفتاوى 24/76 . وقال أيضاً :
[ فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة من الصحابة والتابعين … لكن لا يدل على أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يجمع إلا للمطر بل إذا جمع لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضاً للمطر كان قد جمع من غير خوف ولا مطر كما أنه إذا جمع في السفر وجمع في المدينة كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر فقول ابن عباس جمع من غير كذا ولا كذا ليس نفياً منه للجمع بتلك الأسباب بل إثبات منه لأنه جمع بدونها وإن كان قد جمع بها أيضاً . ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر وقد جمع بعرفة ومزدلفة من غير خوف ولا مطر ] مجموع الفتاوى 24/83-84 .
وخلاصة الأمر أن الجمع يجوز لعذر الخوف ولكن لا بد أن يكون العذر حقيقياً وموجوداً فعلاً عند الجمع .



 

جمع التأخير بين صلاتين



يقول السائل :إنه سافر ونوى أن يصلي الظهر والعصر جمع تأخير ولكنه وصل إلى بلده بعد دخول وقت صلاة العصر بساعة فهل يصح أن يجمع الصلاتين جمع تأخير ؟
الجواب : من المعلوم عند أهل العلم أن من أصول الإسلام وقواعده رفع الحرج ودفع المشقات ، وقد دلت النصوص من كتاب الله وسنة نبيه صلى ا على ذلك ويدخل في هذا الأصل الترخص بالجمع في السفر تقديماً وتأخيراً ، فقد صح في الحديث عن أنس رضي الله عنه قال :( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ) رواه البخاري ومسلم .
وجاء في الحديث عن معاذ  قال :( خرجنا مع النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً ) رواه مسلم . وغير ذلك من الأحاديث .
إذا تقرر هذا فإنه يشترط لصحة جمع التأخير نية الجمع وهذا باتفاق العلماء ويشترط أيضاً دوام السفر إلى دخول وقت الصلاة الثانية على الراجح من أقوال أهل العلم ، فإذا أقام المسافر بعد دخول وقت الصلاة الثانية - أي انتهى سفره - فيجوز له جمع التأخير ، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي :[ فأما إن جمع بينهما في وقت الثانية اعتبر بقاء العذر إلى حين دخول وقتها … وإن استمر إلى حين دخول وقت الثانية جمع وإن زال العذر لأنهما صارتا واجبتين في ذمته ولا بد له من فعلهما ] المغني 2/207 .
وقال المرداوي :[ واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما ] الإنصاف 2/346 .
وخلاصة الأمر أنه لا أثر لزوال العذر بعد دخول وقت الصلاة الثانية ، فيجوز لهذا المسافر أن يجمع وهذا هو المناسب لرخصة الجمع بين الصلاتين للسفر ولكن ينبغي التنبيه إلى أن هذا المسافر لا يجوز له أن يقصر ما دام قد وصل إلى محل إقامته .
 



الأذكار المشروعة بعد الصلاة المكتوبة



يقول السائل : نلاحظ كثيراً من المصلين أنهم عندما يسلم الإمام من صلاة الجماعة يقومون سراعاً فيخرجون من المسجد دون أن يأتوا بالأذكار المشروعة بعد الصلوات المكتوبات ودون أن يدعو ربهم فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : ما ورد في السؤال هو حال كثير من المصلين مع الأسف الشديد حيث إنهم بمجرد تسليم الإمام يستبقون أبواب المسجد للخروج سراعاً وما علموا أنهم تركوا فضلاً عظيماً وأعرضوا عن ساعة مباركة يستجاب فيها الدعاء ويسن فيها الذكر والاستغفار .
وإني لأستغرب من بعض المصلين الذين اعتادوا هذا الأمر فهم يداومون على الخروج من المسجد بمجرد انتهاء الإمام من الصلاة وإن بعض هؤلاء لا يعرف شيئاً عن ذكر الله والدعاء أو الاستغفار .
وأذكر هنا الأمور التي ينبغي أن يفعلها المصلي بعد انتهاء الصلاة أخذاً من سنة النبي صلى الله عليه و سلم .
فأولها المداومة على الأذكار الواردة عقب الصلوات المكتوبات قال الإمام النووي :
[ أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة ] الأذكار ص 57 .
ومن هذه الأذكار النبوية :
عن ثوبان رضي الله عنه قال :( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال : اللهم أنت السلام ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ) قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث : كيف الاستغفار ؟ قال : تقول أستغفر الله أستغفر الله . رواه مسلم .
وعن المغيرة بن شعبة  أن رسول الله صلى الله عليه و سلم : كان إذا فرغ من الصلاة وسلَّم قال :
( لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) رواه البخاري ومسلم .
وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلم :( لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ) قال ابن الزبير : وكان رسول الله يهلل بهن دبر كل صلاة ) رواه مسلم .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا :( ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون . فقال : ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله صلى الله عليه و سلم. قال : تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ) رواه البخاري ومسلم .
وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه : عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :( معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة : ثلاثاً وثلاثين تسبيحة وثلاثاً وثلاثين تحميدة وأربعاً وثلاثين تكبيرة ) رواه مسلم .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :( من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) رواه مسلم .
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يتعوذ دبر الصلاة بهؤلاء الكلمات :( اللهم إني أعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أردَّ إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر ) رواه البخاري .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح الله تعالى دبر كل صلاة عشراً ويحمد عشراً ويكبر عشراً فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان ويكبر أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثاً وثلاثين ويسبح ثلاثاً وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف بالميزان . قال : فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يعقدها بيده ، قالوا : يا رسول الله صلى الله عليه و سلمكيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل ؟ قال : يأتي أحدكم يعني الشيطان في منامه فينومه قبل أن يقوله ويأتيه في صلاته فيذكره حاجة قبل أن يقولها ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الإمام النووي :إسناده صحيح ، الأذكار ص 59 .
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :( من قال في دبر صلاة الصبح وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه وحُرِسَ من الشيطان ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله تعالى ) رواه الترمذي وقال حديث حسن .
هذا ما يتعلق بالأذكار بعد انتهاء الصلاة .
وأما الدعاء فحقيقتة مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار والبلاء بالدعاء ، فهو سبب لذلك واستجلاب لرحمة المولى ويعني هذا أن الدعاء شعور بالحاجة إلى الله تعالى وطلبها منه جل جلاله بتذلل ورغب ورهب لا غنى لأي فرد عنه في أي حال من أحواله شدة ورخاء صحة وعافية ومرضاً ولذا جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله مبينة فضله وحاثة عليه ومن ذلك قوله تعالى :( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) سورة غافر الآية 60 . وقال تعالى :( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) سورة الأعراف الآيتان 55-56 . وقال تعالى :( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) سورة البقرة الآية 186 . وقال جل جلاله في وصف عباده المؤمنين :( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) سورة السجدة الآيتان 16-17 .
وجاء في الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( إن الدعاء هو العبادة ) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/138 .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ) رواه الترمذي وابن ماجة وقال الألباني حسن . انظر صحيح سنن الترمذي 3/138 .
وعن عبادة بن الصامت رشي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلمقال :( ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثم أو قطيعة رحم ، فـقــال رجــل من القوم : إذاً نكثر ، قال : الله أكثر ) رواه التـرمـذي وقال حـسـن صـحـيـح ووافقه الألـبـاني في صحيح سنن الترمذي 3/181 .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال :( إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء ) رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع 1519 .
وعنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء ) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن كما قال الألباني في صحيح الجامع 6290 .
ومن المعلوم عند أهل العلم أن الدعاء له أوقات مباركة يستجاب فيها ومن أعظمها دبر الصلوات المكتوبات أي عقبها ، قال الإمام الشوكاني :[ قد ورد الإرشاد إلى الأذكار في دبر الصلوات وهي مشتملة على ترغيب عظيم وفيها أن الذاكر يقوم مغفوراً له وفيها أنها تحل له الشفاعة وفيها أنه يكون في ذمة الله عز وجل إلى الصلاة الأخرى وفيها أنها لو كانت خطاياه مثل زبد البحر لمحتهن وغير ذلك من الترغيبات وكل ذلك يدل على شرف هذا الوقت وقبول الدعاء فيه ] تـحــفـة الذاكرين ص 66 .
ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي أمامة رضي الله عنه قال :[ قيل يا رسول الله صلى الله عليه و سلمأي الدعاء أسمع ؟ قال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات ] رواه الترمذي وقال حديث حسن ووافقه الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/168 .
وورد عن الضحاك في تفسير قوله تعالى :( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) سورة الانشراح الآية 7
قال فرغت من الصلاة فانصب بعد التسليم في الدعاء وارغب في المسألة ، وهو أثر حسن . انظر الترغيب في الدعاء ص264-266 .
وهذه طائفة من الأدعية النبوية الواردة في دبر الصلوات المكتوبات :
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال :( لقيني النبي صلى الله عليه و سلم فأخذ بيدي فقال : يا معاذ إني أحبك . قلت يا رسول الله صلى الله عليه و سلم: وأنا أحبك . قال : أفلا أوصيك بكلمات تقولوهن في دبر كل صلاة : يا رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) رواه أحمد وابن حبان وصححه ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والألباني .
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلمإذا صلى الصبح قال اللهم إني أسألك علماً نافعاً وعملاً متقبلاً ورزقاً طيباً . رواه أحمد والنسائي وقال الهيثمي رجاله ثقات . مجمع الزوائد 10/111 وحسنه الحافظ ابن حجر لشواهده .
وعن مسلم بن أبي بكرة قال :[ كان أبي يقول في دبر الصلاة اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر فكنت أقولهن فقال أبي عمن أخذت هذا قلت عنك ، قال إن رسول الله كان يقولهن ] رواه النسائي وقال الألباني صحيح الإسناد . صحيح سنن النسائي 1/290 .
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال :( ما دنوت من رسول الله صلى الله عليه و سلمفي دبر صلاة مكتوبة ولا تطوع إلا سمعته يقول : اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها اللهم أنعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت ) رواه الــطـبـراني وابـن الـســنـي وجوّد إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/111 . وقال الشيخ الألباني حسن ، انظر صحيح الجامع 1266 .
وعن الحارث بن مسلم التميمي رضي الله عنه قال :( قال لي النبي صلى الله عليه و سلم : إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جواراً من النار وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوراً من النار ) رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة وقال محققه حسن ونقل ابن علان عن الحافظ ابن حجر تحسينه ورواه ابن حبان في صحيحه . وغير ذلك من الأدعية .
وفي الختام أنبه على قضيتين الأولى : أن هذه الأدعية تؤدى بشكل فردي أي أن كل مصلٍ يدعو لنفسه دون أن يشوش على غيره من المصلين ولا يجوز أن تؤدى هذه الأدعية بشكل جماعي كما يفعل بعض المصلين حيث إن الإمام يدعو ويؤمن المأمومون على دعائه ، فهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم قال العلامة ابن القيم :[ وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه أصلاً ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن ] زاد المعاد 1/257 .
الثانية : قال العلامة ابن القيم :[ وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة فإذا سلَّم منها انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأله إذا انصرف عنه ؟ ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي ] زاد المعاد 1/257-258 .
وقول العلامة ابن القيم غير مسلَّم على إطلاقه فقد ثبت في أدعية كثيرة أن النبي صلى الله عليه و سلم دعا بها بعد السلام من الصلاة كما سبق ، ومما يؤيد ذلك ما قاله الإمام البخاري في صحيحه :[ باب الدعاء بعد الصلاة ثم ذكر حديث المغيرة السابق وفيه :[ كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلّم ) الحديث . صحيح البخاري مع الفتح 13/284 .
وقال الحافظ ابن حجر :[ قوله باب الدعاء بعد الصلاة ، أي المكتوبة وفي هذه الترجمة ردٌّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع متمسكاً بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة : كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا سلًّم لا يثبت إلا قدر ما يقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام . والجواب أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالساً على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر ، فقد ثبت أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه ] ثم نقل كلام ابن القيم السابق ثم قال الحافظ ابن حجر:[ وما ادعاه من النفي مطلقاً مردود فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له :( يا معاذ إني والله لأحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم .
وحديث أبي بكرة في قول :( اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر كان النبي يدعو بهن دبر كل صلاة ) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم ... وحديث زيد بن أرقم ( سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو في دبر كل صلاة اللهم ربنا ورب كل شيء ) .. الحديث ،أخرجه أبو داود والنسائي . وحديث صهيب رفعه ( كان يقول إذا انصرف من الصلاة اللهم أصلح لي ديني ) الحـديـث أخرجه النسائي وصححه ابن حبان وغير ذلك .
فإن قيل المراد بدبر كل صلاة قرب آخرها وهو التشهد قلنا قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة والمراد به بعد السلام إجماعاً ، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه . وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة :( قيل : يا رسول الله صلى الله عليه و سلمأي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات ) وقال حسن : وأخرج الطبري من رواية جعفر بن محمد الصادق قال : الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة . وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقاً وليس كذلك . فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة وإيراده بعد السلام وأما إذا انتقل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ ] فتح الباري 13/382 .
 



قراءة آية الكرسي بعد الصلاة المفروضة



يقول السائل : هل ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم قراءة آية الكرسي بعد الصلاة المفروضة ؟
الجواب : نعم وردت عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم في قراءة آية الكرسي عقب الصلوات المكتوبات ولكن هذه الأحاديث مختلف في أسانيدها وأمثلها حديث أبي أمامه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ) رواه النسائي في السنن الكبرى والطبراني في الكبير وابن السني وغيرهم . وهذا الحديث اختلف المحدثون فيه اختلافاً كبيراً فصححه أو حسنه جماعة وضعفه آخرون وقد اعتبره ابن الجوزي من الأحاديث الموضوعة أي المكذوبة ولم يسلَّم له ذلك ، قال العلامة ابن القيم :[ وهذا الحديث تفرد به محمد بن حمير عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامه ورواه النسائي عن الحسين بن بشر عن محمد بن حمير . وهذا الحديث من الناس من يصححه ويقول الحسين بن بشر قد قال فيه النسائي :[ لا بأس به وفي موضع آخر ثقة . وأما المحمدان فاحتج بهما البخاري في صحيحه قالوا فالحديث على رسمه ومنهم من يقول : هو موضوع وأدخله أبو الفرج بن الجوزي في كتابه في الموضوعات وتعلق على محمد بن حمير وأن أبا حاتم الرازي قال : لا يحتج به وقال يعقوب بن سفيان : ليس بقوي وأنكر ذلك عليه بعض الحفاظ ووثقوا محمداً وقال : هو أجل من أن يكون له حديث موضوع وقد احتج به أجل من صنف في الحديث الصحيح وهو البخاري ووثقه أشد الناس مقالة في الرجال يحيى بن معين وقد رواه الطبراني في معجمه أيضاً من حديث عبد الله بن حسن عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :( من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصـلاة الأخرى ) .
وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامه وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وفيها كلها ضعف ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تباين طرقها واختلاف مخارجها دلت على أن الحديث له أصل وليس بموضوع . وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه أنه قال : ما تركتها عقيب كل صلاة ] زاد المعاد 1/303-304 .
وقال الحافظ المنذري بعد أن ذكر الحديث :[ رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح وقال شيخنا أبو الحسن : هو على شرط البخاري وابن حبان في الصلاة وصححه ] وصححه الألباني أيضاً . صحيح الترغيب والترهيب 2/258 وانظر السلسلة الصحيحة 2/697 – 701 .
وقال الحافظ المناوي :[ وقال ابن حجر في تخريج المشكاة : غفل ابن الجوزي في زعمه وضعه وهو من أسمج ما وقع له . وقال الدمياطي : له طرق إذا انضم بعضها إلى بعض أحدثت قوة ونقل الذهبي في تاريخه عن السيف ابن أبي المجد الحافظ قال صنف ابن الجوزي كتاب الموضوعات فأصاب في ذكره أحاديث مخالفة للعقل والنقل ومما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعضهم في أحد رواتها كفلان ضعيف أو لين أو غير قوي وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه ولا يعارض الكتاب والسنة ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام رجل في رواته وهذا عدوان ومجازفة فمن ذلك هذا الحديث ] فيض القدير 6/256 .
ومعنى قول النبي صلى الله عليه و سلم :( إلا الموت ) أي الموت حاجز بينه وبين دخول الجنة فإذا تحقق وانقضى حصل دخوله . وقيل معنى الحديث أنه لم يبق من شرائط دخول الجنة إلا الموت فكأن الموت يمنع ويقول لا بد من حضوري أولاً لـيـدخل الجنة . انظر المرقاة شرح المشكاة 3/56 .
فهذا الحديث حديث صالح للاحتجاج ولذلك فإن العلماء أنكروا على ابن الجوزي إيراده في الموضوعات كما سبق في كلام الحافظ ابن حجر .
ومن الأحاديث الضعيفة الواردة في قراءة آية الكرسي عقب الصلوات المكتوبات ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم قــــال :( من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى ) رواه الطبراني وضعفه الألباني في تمام المنة ص227 وفي ضعيف الترغيب والترهيب 1/490 . وسبق ذكره في كلام ابن القيم .
ومنها ما روي في الحديث :( من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة كان بمنزلة من قاتل عن أنبياء الله عز وجل حتى يستشهد ) رواه ابن السني وهو حديث ضعيف
ومنها ما ورد في الحديث ( من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة خَرقت سبع سموات فلم يلتئم خرقُها حتى ينظرَ اللهُ إلى قائلها فيغفر له ثم يبعث الله ملكاً فيكتب حسناته ويمحو سيئاته إلى الـغد مـن تلك الساعة ) رواه ابن عدي عن جابر مرفوعاً وإسناده باطل وله سند آخر فـيه مـجاهيل ، وقد رواه الحكيم الترمذي عن أنس مرفوعاً ] الفوائد المجموعة ص299-300 .
ومنها ما روي في الحديث :( من قرأ آية الكرسي وكتب بزعفران على راحة كفه اليسرى بيده اليمنى سبع مرات ويلحسها بلسانه لم ينس أبداً ) في إسناده : وضاع . ومنها ( من قرأ آية الكرسي لم يتول قبض نفسه إلا الله تعالى ) قال تقي الدين السبكي : منكر ويشبه أن يكون موضوعاً .ومنها ( من قرأ آية الكرسي على أثر وضوئه أعطاه الله ثواب أربعين عاماً ورفع له أربعين درجة وزوجه أربعين حوراء ) في إسناده مقاتل بن سليمان كذاب ] الفوائد المجموعة ص311-312 .وغير ذلك من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي لا يصح الاحتجاج بها .
وأخيراً ينبغي التنبيه على أمرين : الأول أنه قد ورد أيضاً قراءة :[ قل هو الله أحد والمعوذتين بعد الصلوات المكتوبات ] كما في حديث عقبة بن عامر  قال :[ أمرني رسول الله أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة ] رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديث صحيح كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة 4/19 ، وفي صحيح سنن الترمذي 3/8 .
الثاني : نقل العلامة ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أن المراد بدبر الصلاة آخرها قبل التسليم فقال :[ ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فيه فقال : دبر كل شيء منه كدبر الحيوان ] زاد المعاد 1/305 .
وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من كون ذلك قبل السلام غير مسلَّم فإن لفظ الدبر يستعمل أيضاً في العقب بمعنى بعد كما يقال أعتق عبده عن دبر أي بعد وفاته .
وما ورد في الأحاديث من قوله صلى الله عليه و سلم دبر الصلاة أي بعد التسليم كما ورد في الحديث عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات :( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ) . رواه مسلم .
ومثل قوله صلى الله عليه و سلم :( من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المئة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) رواه مسلم.
وهكذا في الأحاديث الأخرى الواردة في الذكر دبر الصلاة أي بعد التسليم .
قال الحافظ ابن حجر :[ وأما رواية " دبر " فهي بضمتين ، قال الأزهري : دبر الأمر يعني بضمتين ودبره يعني بفتح ثم سكون آخره . وادعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة ورد بمثل قولهم أعتق غلامه عن دبر ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيراً بحيث لا يعد معرضاً أو كان ناسياً أو متشاغلاً بما ورد أيضاً بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر ) فتح الباري 2/424 .
وقال المناوي عن قول ابن تيـمـية الـسـابق :[ وفيـه بـعـد ] فـيـض القدير 6/256 .
ومما يدل على أن المراد بدبر الصلاة أنه بعد التسليم ما ورد في رواية أخرى للحديث :[ من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة ] أي بعد السلام . انظر الوابل الصيب ص 221، فيض القدير 6/ 256. وقد أيدت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية أن دبر الصلاة يكون بعد التسليم فقالت :[ تسن قراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين وتكون القراءة سراً ويكون بعد الانتهاء من الذكر بعد السلام ] فتاوى اللجنة الدائمة 7/108 .
وخلاصة الأمر أنه يستحب قراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين بعد انتهاء الصلاة ويقرؤها سراً .


 


كيفية صلاة سنة الجمعة البعدية



يقول السائل : إذا صليتُ سنةَ الجمعة البعدية أربع ركعات فهل أصليها اثنتين بتسليمة ثم اثنتين بتسليمة أم أصليها أربعاً متصلة بتسليمة واحدة ؟
الجواب : الثابت عند أهل العلم أن الجمعة لها سنة تصلى بعدها ولا سنة معينة تصلى قبلها .
وقد ورد في صلاة السنة بعد الجمعة أنها ركعتان وورد أنها أربع ركعات وورد أنها ست ركعات ومن الأحاديث والآثار الواردة في ذلك ما يلي : عن ابن عمر رضي الله عنهما :( أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته ) رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية عند مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه وصف تطوع صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :( فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته ) .
وعن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :( إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً ) رواه مسلم .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما :( أنه إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد فقيل له ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يفعل ذلك ) رواه أبو داود والترمذي وقال العراقي إسناده صحيح .
وروى الطحاوي بإسناده عن عطاء قال أبو إسحق حدثني غير مرة قال : صليت مع ابن عمر رضي الله عنهما يوم الجمعة فلما سلَّم قام فصلى ركعتين ثم قال : فصلى أربع ركعات ثم انصرف .
فهذا ابن عمر  قد كان يتطوع بعد الجمعة بركعتين ثم أربع فيحتمل أن يكون فعل ذلك لما قد كان ثبت عنده من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك وفعله وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال :من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل ستاً . وروى عن أبي عبد الرحمن قال : علَّم ابن مسعود رضي الله عنه الناس أن يصلوا بعد الجمعة أربعاً فلما جاء علي بن أبي طالب  علمهم أن يصلوا ستاً .
ثم قال الطحاوي :[ فثبت بما ذكرنا أن التطوع الذي لا ينبغي تركه بعد الجمعة ست وهو قول أبو يوسف إلا أنه قال :أحب إليَّ أن يبدأ بالأربع ثم يثني بالركعتين لأنه هو أبعد من أن يكون قد صلى بعد الجمعة مثلها على ما قد نهي عنه ] شرح معاني الآثار 1/337 .
وقد قال بمقتضى هذه الأحاديث أهل العلم فقد ذكر الترمذي بعد أن روى حديث ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بعد الجمعة ركعتين :[ والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وأحمد ] سنن الترمذي مع شرحه التحفة 3/46 . ونقل ذلك عن عمر وعمران بن حصين والنخعي . وقال الترمذي بعد أن روى حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال :( من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل بعدها أربعاً ) : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ] ثم ذكر الترمذي أن عبد الله بن مسعود كان يصلي بعد الجمعة أربعاً وذكر أن علياً أمر أن يصلى بعد الجمعة ركعتين ثم أربعاً . انظر المصدر السابق 3/47-49 .
ونقل عن علقمة وأبي حنيفة أنه يصلي أربعاً . وقال طائفة أخرى من أهل العلم يصلي بعدها ركعتين ثم أربعاً وروي ذلك عن علي وابن عمر وأبي موسى وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف من الحنفية .
ومن أهل العلم من خير المصلي بين هذه الثلاثة فإما أن يصلي ركعتين أو أربعاً أو ستاً فقد ذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي عن الإمام أحمد أنه قال إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن شاء أربعاً وفي رواية وإن شاء ستاً . واستدل ابن قدامة على ذلك بقوله : [ ولنا أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يفعل ذلك كله بدليل ما روي من الأخبار وروي عن ابن عمر :( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ) متفق عليه وفي لفظ لمسلم :
( وكان لا يصلي في المسجد حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته ) وهذا يدل على أنه مهما فعل من ذلك كان حسناً . قال أحمد في رواية عبد الله : ولو صلى مع الإمام ثم لم يصل شيئاً حتى صلى العصر كان جائزاً قد فعله عمران بن حصين وقال في رواية أبي داود : يعجبني أن يصلي يعني بعد الجمعة ] المغني 2/269-270 .
وقال إسحق بن راهويه إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعاً وإن صلى في بيته صلى ركعتين ذكره الترمذي في سننه والعراقي في طرح التثريب 3/38 . وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قال ابن القيم :[ قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية : إن صلى في المسجد صلى أربعاً وإن صلى في بيته صلى ركعتين قلت : وعلى هذا تدل الأحاديث وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعاً وإذا صلى في بيته صلى ركعتين ] زاد المعاد 1/440 . واختارته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية فقالت :[ ويجمع بين ما يدل على مشروعية أربع ركعات وما يدل على مشروعية ركعتين بعد الجمعة أن المصلي يصلي أربعاً إذا صلى في المسجد ويصلي ركعتين إذا صلى في بيته وهناك جمع آخر بين الحديثين وهو أن الراتبة بعد الجمعة أقلها ركعتان وأكثرها أربع سواء فعلها في البيت أو في المسجد ] غاية المرام 7/257 .
وقال الحافظ ابن عبد البر بعد أن ذكر تعدد الروايات في سنة الجمعة البعدية :
[ الاختلاف عن السلف في هذا الباب اختلاف إباحة واستحسان لا اختلاف منع وحظر وكل ذلك حسن إن شاء الله ] فتح المالك 3/245 .
وقال الحافظ أبو زرعة العراقي :[ وقال ابن عبد البر : قال أبو حنيفة : يصلي بعد الجمعة أربعاً وقال في موضع آخر ستاً وقال الثوري : إن صليت أربعاً أو ستاً فحسن وقال الحسن بن حي : يصلي أربعاً وقال أحمد ابن حنبل أحب إلي أن يصلي بعد الجمعة ستاً وإن صلى أربعاً فحسن فلا بأس به ، قال ابن عبد البر وكل هذه الأقاويل مروية عن الصحابة قولاً وعملاً ولا خلاف بين العلماء أن ذلك على الاختيار وقال ابن بطال : قالت طائفة : يصلي بعدها ركعتين روي عن ابن عمر وعمران بن حصين والنخعي وقالت طائفة يصليي بعدها ركعتين ثم أربعاً روي عن علي وابن عمر وأبي موسى وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف إلا ان أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين وقالت طائفة يصلي أربعاً لا يفصل بينهن بسلام روي ذلك عن ابن مسعود وعلقمة والنخعي وهو قول أبي حنيفة وإسحق انتهى … وقال النووي في شرح مسلم : نبه بقوله من كان منكم مصلياً على أنها سنة ليست واجبة وذكر الأربع لفضلها وفعله للركعتين في أوقات بياناً لأن أقلها ركعتان قال ومعلوم أنه كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً لأنه أمرنا بهن وحثنا عليهن بقوله :( إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً ) وهو أرغب في الخير وأحرص عليه وأولى به انتهى . وقال والدي رحمه الله - أي الحافظ العراقي - في شرح الترمذي : وما ادعاه من أنه معلوم كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً فيه نظر فليس ذلك بمعلوم ولا مظنون لأن الذي صح عنه صلاة ركعتين في بيته ولا يلزم من كونه أمر به أن يفعله وكلام ابن عمر المتقدم إنما أراد به رفع فعله بالمدينة وحسب كما تقدم لأنه لم يصح أنه صلى الجمعة بمكة وعلى تقدير وقوعه بمكة منه فليس ذلك في أكثر الأوقات بل نادر وربما كانت الخصائص في حقه بالتخفيف في بعض الأوقات فإنه صلى الله عليه و سلم كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول صبحكم مساكم الحديث عند مسلم فربما لحقه تعب من ذلك فاقتصر على الركعتين في بيته وكان يطيلهما كما ثبت في رواية النسائي وأفضل الصلاة طول القنوت أي القيام فلعلها كانت أطول من أربع خفاف أو متوسطات ] طرح التثريب 3/39-40 .
وأما بالنسبة للأربع إذا صلاها بعد الجمعة فإنه يصليها بتسليمة واحدة على الراجح من أقوال أهل العلم ، قال الشوكاني :[ وقد اختلف في الأربع الركعات هل تكون متصلة بتسليم في آخرها أو يفصل بين كل ركعتين بتسليم فذهب إلى الأول أهل الرأي وإسحق بن راهويه وهو ظاهر حديث أبي هريرة . وذهب إلى الثاني الشافعي والجمهور كما قال العراقي واستدلوا بقوله صلى الله عليه و سلم :( صلاة النهار مثنى مثنى ) أخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه وقد تقدم . والظاهر القول الأول لأن دليله خاص ودليل القول الآخر عام وبناء العام على الخاص واجب ] نيل الأوطار 3/319-320 .
وروى محمد بن الحسن في كتابه الآثار عن إبراهيم النخعي قال : أربع بعد الظهر وأربع بعد الجمعة لا يفصل بينهن بتسليم ] . الآثار 1/280 .
وخلاصة الأمر أن المصلي بعد الجمعة في سعة من أمره إن شاء صلى ثنتين وإن شاء صلى أربعاً ، فإن صلى أربعاً صلاها بتسليم واحد .
 



فضل قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة



يقول السائل : ما هو فضل قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة ؟
الجواب : وردت أحاديث كثيرة في فضائل سورة الكهف بشكل عام وعلى وجه الخصوص في فضل قراءتها يوم الجمعة فمن فضائلها العامة ما ثبت في الحديث عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال :( كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له فقال تلك السكينة تنزلت بالقرآن ) رواه البخاري ومسلم .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال ) رواه مسلم .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :( من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يسلط عليه ومن توضأ ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة ) رواه الحاكم ثم قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .
وعن ثوبان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه و سلم  قال :( من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنه عصمة له من الدجال ) رواه النسائي في السنن الكبرى وإسناده صحيح .
وأما ما ورد في فضل قراءة سورة الكهف في ليلة الجمعة ويومها فمنه ما ورد عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :( من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن خرج الدجال عصم منه ) قال الضياء المقدسي في المختارة في إسناده : من لم أقف له على ترجمة .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه و سلم :( من قرأ سورة الكهف كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره ومن توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة ) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا أن النسائي قال بعد تخريجه في اليوم والليلة : هذا خطأ والصواب موقوفاً ثم رواه من رواية الثوري وغندر عن شعبة موقوفاً قاله الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 239 . وقال الألباني : صحيح لغيره ، انظر صحيح الترغيب والترهيب 2/190.
وعن معاذ بن أنس عن رسول الله أنه قال :( من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه ومن قرأها كلها كانت له نوراً ما بين الأرض إلى السماء ) رواه أحمد والطبراني وفي إسناد أحمد ابن لهيعة وهو ضعيف وقد يحسن قاله الهيثمي في مجمع الزوائد 7/52 .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه و سلم :( من قرأ سورة الكهف كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره ) رواه الطبراني في الأوسط في حديث طويل وهو بتمامه في كتاب الطهارة ورجاله رجال الصحيح قاله الهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 53 .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهأن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ) رواه النسائي والبيهقي مرفوعاً والحاكم مرفوعاً وموقوفاً أيضا وقال صحيح الإسناد .ورواه الدارمي في مسنده موقوفاً على أبي سعيد ولفظه قال :( من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق ) وفي أسانيدهم كلها إلا الحاكم أبو هاشم يحيى بن دينار الروماني والأكثرون على توثيقه وبقية الإسناد ثقات وقال الألباني : صحيح ، انظر صحيح الترغيب والترهيب 1/455 .
وقد نص الإمام الشافعي على استحباب قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة ويوم الجمعة ،انظر المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح ص119 .
وقد علل العلماء سبب فضيلة قراءة سورة الكهف بعدة تعليلات قال الإمام النووي :
[ سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتن بالدجال وكذا آخرها قوله تعالى :( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ) . شرح صحيح مسلم 2/418 .
وقال القرطبي المحدث :[ وقوله صلى اله عليه و سلم :( من قرأ عشر آيات من أول سـورة الـكهف عصم من الدجال ) وفي الرواية الأخرى : من آخر الكهف . واختلف المتأولون في سبب ذلك فقيل : لما في قصة أصحاب الكهف من العجائب والآيات فمن علمها لم يستغرب أمر الدجال ولم يهله ذلك فلا يفتنن به . وقيل : لما في قوله تعالى :
( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ ) إلى آخر السورة من المعاني المناسبة لحال الدجال وهذا على رواية من روى : من آخر الكهف . وقيل : لقوله تعالى :( قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ ) ، تمسكاً بتخصيص البأس بالشدة واللدنية وهو مناسب لما يكون من الدجال من دعوى الإلهية واستيلائه وعظيم فتنته ولذلك عظم النبي صلى الله عليه و سلم أمره وحذر منه وتعوذ من فتنته فيكون معنى هذا الحديث : أن من قرأ هذه الآيات وتدبرها ووقف على معناها حذره فأمن من ذلك وقيل : هذا من خصائص هذه السورة كلها فقد روي :( من حفظ سورة الكهف ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه ) وعلى هذا تجتمع رواية من روى :( من أول سورة الكهف ) ورواية من روى :( من آخرها ) ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها وقيل : إنما كان ذلك لقوله :( قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ ) فإنه يهون بأس الدجال . وقوله :( وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ) ، فإنه يهون الصبر على فتن الدجال بما يظهر من جنته وناره وتنعيمه وتعذيبه . ثم ذمه تعالى لمن اعتقد الولد يفهم منه أن من ادعى الإلهية أولى بالذم وهو الدجال ثم قصة أصحاب الكهف فيها عبرة تناسب العصمة من الفتن وذلك أن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا :( رَبَّنَا ءَاتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) ، فهؤلاء قوم ابتلوا فصبروا وسألوا إصلاح أحوالهم فأصلحت لهم وهذا تعليم لكل مدعو إلى الشرك ومن روى من آخر الكهف فلما في قوله تعالى :( وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ) ، فإن فيه ما يهون ما يظهره الدجال من ناره ] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 2/439-440 .
وقال الطيبي :[ كما أن أولئك الفتية عصموا من ذلك الجبار كذلك يعصم الله القارىء أي قارئ سورة الكهف من الجبار واللام للعهد وهو الذي يخرج في آخر الزمان ويدعي الألوهية لخوارق تظهر على يديه كقوله للسماء أمطري فتمطر لوقتها وللأرض أنبتي فتنبت لوقتها زيادة في الفتنة ولذلك لم توجد فتنة على وجه الأرض أعظم من فتنته وما أرسل من نبي إلا حذره قومه أو للجنس فإن الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس ومنه الحديث :( يكـون في آخر الزمـان دجـالون كذابون ) أي مموهون وفي حديث :( لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالاً ) ] عمل اليوم والليلة لابن السني ص410 .

 


التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين



يقول السائل : إن إمام المسجد عندهم يصلي صلاة العيد على مذهب أبي حنيفة فيكبر في الأولى ثلاثاً بعد تكبيرة الإحرام ثم يقرأ ، وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة ثم يكبر ثلاثاً ثم يكبر للركوع . وأنه لاحظ أن كثيراً من المصلين يخطئون في الصلاة فيركعون عند تكبير الإمام التكبيرة الأولى من التكبيرات الزوائد في الركعة الثانية فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : اختلف أهل العلم في التكبير في صلاة العيدين اختلافاً كبيراً في عدد التكبيرات الزوائد وفي موضعها وقد ذكر الشوكاني عشرة أقوال في المسألة في كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار 3/339-340 . وذكر غيره من العلماء أكثر من ذلك . ولكن يجب أن يعلم أن التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين من السنن المستحبة عند جمهور أهل العلم ولا تبطل الصلاة بتركها عمداً أو سهواً . الروضة الندية 1/383 .
وأرجح أقوال أهل العلم أن السنة في تكبيرات صلاة العيد أن يكبر سبعاً في الأولى قبل القراءة وخمساً في الثانية قبل القراءة قال الحافظ العراقي :[ هو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة قال وهو مروي عن عمر وعلي وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وزيد بن ثابت وعائشة وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد واسحق ] نـيـل الأوطـار 3/339 . وانظر الـمجموع 5/9-20 . المغني 2/282 .
وقد استدل لهذا القول بالأدلة التالية : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم :( التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخرى والقراءة بعدهما كلتيهما ] رواه أبو داود وابن ماجة . وفي رواية عند أحمد وابن ماجة ( أن النبي صلى الله عليه و سلم كبر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها ) قال الإمام أحمد وأنا أذهب إلى هذا . وحديث عمرو بن شعيب حديث صحيح ، صححه أحمد وعلي بن المديني والبخاري فيما حكاه الترمذي قاله الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 2/84 .
وقال الإمام النووي :[ وحديث عمرو بن شعيب هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة ] المجموع 5/16 .
وقال الحافظ العراقي :[ إسناده صالح ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال إنه حديث صحيح ] نيل الأوطار 3/338 . وقال الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن أبي داود 1/213.
وعن عائشة رضي الله عنها :( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً ) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي وقال الشيخ الألباني حديث صحيح . انظر إرواء الغليل 3/107 .
وعن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه :( أن النبي صلى الله عليه و سلم كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه و سلم . سنن الترمذي مع شرحه التحفة 3/66 . وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/166 .
وعن سعد القرظ رضي الله عنه مؤذن النبي صلى الله عليه و سلم :( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يكبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة ) رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي وصححه الألباني بشواهده في صحيح سنن ابن ماجة 1/215 .
وعن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً:( التكبير في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الآخرة خمس تكبيرات ) رواه الدار قطني والبزار وهو حديث ضعيف . وعن جابر رضي الله عنه قال :[ مضت السنة أن يكبر للصلاة في العيدين سبعاً وخمساً ] رواه البيهقي . وغير ذلك من الأحاديث .
ويلاحظ على هذه الأحاديث أن كل حديث منها لم يسلم من النقد ولكن مجموع هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً قال الشيخ الألباني بعد أن فصَّل الكلام على حديث عائشة السابق :[ وبالجملة فالحديث بهذه الطرق صحيح ويؤيده عمل الصحابة به منهم أبو هريرة فيما رواه نافع مولى ابن عمر قال :[ شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة ] أخرجه مالك ومن طريقه الفريابي والبيهقي . ثم أخرجاه وكذا ابن أبي شيبة من طـرق أخرى عن نافع به . وزاد البيهقي : وهي السنة … ومنهم عبد الله ابن عمر مثل حديثه المرفوع المتقدم ، أخرجه الطحاوي وسنده صحيح . ومنهم عبد الله بن عباس " أنه كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح وفي الآخرة ستاً بتكبيرة الركعة كلهن قبل القراءة " . رواه ابن أبي شيبة عن ابن جريح عن عطاء عنه وهذا سند صحيح على شرط الشيخين …إلخ ] إرواء الغليل 3/110-111.
وقد رجح جماعة من أهل العلم أن السنة في التكبير في صلاة العيد سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية منهم الحافظ ابن عبد البر حيث قال :[ وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم من طرق حسان أنه كبر في العيدين سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية من حديث عبد الله بن عمر وابن عمرو وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني ولم يرد عنه في وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا وهو أولى ما عمل به ] المنهل العذب المورود 6/331 وانظر أيضاً فتح المالك 3/346- 347 حيث فصَّل الحافظ ابن عبد البر الكلام على روايات الأحاديث الواردة في التكبيرات ثم قال عن مذهب الحنفية :[ ليس يروى عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجه قوي ولا ضعيف مثل قول هؤلاء ] فتح المالك 3/347 .
وقال الشوكاني :[ وأرجح هذه الأقوال أولها في عدد التكـبير وفي محل القراءة ] نيل الأوطار 3/341 . والأول الذي ذكره أنه يكبر في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة .
وقال الحافظ المباركفوري :[ فالأولى للعمل هو ما ذهب إليه أهل المدينة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم لوجهين : الأول أنه قد جاء فيه أحاديث مرفوعة عديدة وبعضها صالح للاحتجاج والباقية مؤيدة لها وأما ما ذهب إليه أهل الكوفة فلم يرد فيه حديث مرفوع غير حديث أبي موسى الأشعري وقد عرفت أنه لا يصلح للاحتجاج . والوجه الثاني أنه قد عمل به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وقد تقدم في كلام الحافظ الحازمي أن أحد الحديثين إذا كان عمل به الخلفاء الراشدون دون الثاني فيكون آكد وأقرب إلى الصحة وأصوب بالأخذ هذا ما عندي والله تعالى أعلم ] تحفة الأحوذي 3/71 . وممن رجح هذا القول الصنعاني في سبل السلام 2/68 . وصديق حسن خان كما في الروضة الندية 1/382.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن السنة أن يرفع المصلي يديه مع كل تكبيرة من التكبيرات قال العلامة ابن عثيمين :[ لأن هذا ورد عن الصحابة رضي الله عنهم ولم يرد عن النبي خلافه ومثل هذا العمل لا مدخل للاجتهاد فيه لأنه عبادة فهو حركة في عبادة فلا يذهب إليه ذاهب من الصحابة إلا وفيه أصل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد صح عن ابن عمر ( أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة في كل تكبيرة ) بل إنه روي عنه مرفوعاً ومنهم من صححه مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه و سلم . وكـذلك هنـا فعن عمر ( أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة والعيد ) وكذلك عن زيد رواهما الأثرم ) الشرح الممتع على زاد المستقنع 5/182 . ورفع اليدين مع كل تكبيرة هو قول عطاء والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي ومحمد وداود وابن المنذر وغيرهم .
ويستحب أن يحمد الله ويسبحه ويكبره ويصلي على النبي صلى الله عليه و سلم بين كل تكبيرتين .
ومن العلماء من قال يستحب أن يقول : الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً .
ومن العلماء من قال يستحب أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر اللهم صل على محمد وعلى آل محمد اللهم اغفر لي وارحمني .
ومنهم من قال يستحب أن يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .
وإن أحب قال غير ما ذكر إذ لم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه و سلم ذكر مؤقت والأمر فيه سعة. انظر غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام 1/344 –345 .
ملحوظة : وقع خطأ مطبعي عند ذكر مسألة تكبيرات العيد الزوائد في الجزء الأول من يسألونك حيث وردت العبارة التالية :[ ويكون التكبير سبعاً في الأولى بعد القراءة وخمساً في الثانية بعد القراءة ] والصواب هو ( قبل القراءة ) في الموضعين فينبغي أن يصحح .
 


اجتماع الجمعة والعيد



يقول السائل : إنه قرأ في كتاب فقه السنة في مسألة اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد أن الحنابلة أوجبوا صلاة الظهر في حق من تخلف عن صلاة الجمعة وأن الشيخ سيد سابق رجح عدم وجوب صلاة الظهر واحتج على ذلك بما ورد عن الصحابي عبد الله بن الزبير أنه قال : عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر . فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : مسألة اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد محل اختلاف بين أهل العلم سبق وأن فصلتها في الجزء الخامس ، وألخص أقوال العلماء فيها وهي ثلاثة : أكثر أهل العلم يرون أنه لا تجزىء واحدة منهما عن الأخرى فينبغي على المسلم أن يصلي العيد وأن يصلي الجمعة لأن عموم الأدلة التي أوجبت الجمعة لم تخص بدليل يصلح لذلك عندهم .
وقالت الشافعية تسقط الجمعة عن أهل البوادي والقرى إذا صلوا العيد مع أهل البلد وقالت الحنابلة وأكثر أهل الحديث تسقط الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام ومن لم يصلِ الجمعة فيجب عليه أن يصلي الظهر ونقل عن بعض العلماء إسقاط الظهر أيضاً. والقول الأول هو أولى الأقوال خروجاً من الخلاف وأما القول بسقوط صلاة الظهر فقد نسب إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من الصحابة وعطاء بن أبي رباح من كبار التابعين إن صح الخبر عنهما وما أظنه يصح عنهما ففي صحته نظر وبيان ذلك كما يلي :
روى أبو داود بسنده عن عطاء قال :[ اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بكرة ولم يزد عليهما حتى صلى العصر ] وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 1/200 ورواه ابن أبي شيبة عن وهب بن كيسان وإسناده حسن على شرط مسلم كما قال الإمام النووي في الخلاصة 2/816
وفي رواية أخرى عند أبي داود عن عطاء قال :[ صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً وكان ابن عباس في الطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال : أصاب السنة ] قال النووي : رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم الخلاصة 2/817 . وقال الشيخ الألباني صحيح انظر صحيح سنن أبي داود 1/200 .
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عطاء قال :[ اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير فصلى بهم العيد ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعاً ] مصنف ابن أبي شيبة 2/187 .
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء فذكر ما حدث في عهد ابن الزبير ثم قال عطاء :[... وصليت أنا الظهر يومئذ … ] مصنف عبد الرزاق 3/303 .
هذه هي الآثار التي وقفت عليها فيما ورد عن ابن الزبير وعن عطاء وهذه الآثار لا يؤخذ منها أنهما قالا بإسقاط الظهر عمن صلى العيد وإنما قالا بأن الجمعة تسقط عمن صلى العيد .
والرواية الأولى التي احتج بها من قال إن ابن الزبير أسقط الظهر لا تدل على ذلك قال الصنعاني :[ ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة يكون عيداً على من صلى صلاة العيد لهذه الرواية غير صحيح لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله بل في قول عطاء أنهم صلوا وحداناً أي الظهر ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه ولا يقال إن مراده صلوا الجمعة وحداناً فإنها لا تصح إلا جماعة إجماعاً ] سبل السلام 2/53 . والرواية الثانية تثبت أنهم صلوا الظهر وحداناً . والرواية الثالثة تثبت أنهم صلوا الظهر أربعاً . والرواية الرابعة تثبت أن عطاء صلى الظهر . وبهذا يظهر أن نسبة القول بإسقاط الظهر إلى ابن الزبير وعطاء نسبة غير صحيحة .
قال الشيخ محمود خطاب السبكي :[ قوله صلَّى بنا ابن الزبير …إلخ ، أي صلى بنا عبد الله بن الزبير صلاة العيد في يوم جمعة أول النهار ثم لم يخرج إلى صلاة الجمعة فصلينا وحداناً يعني صلوا الظهر منفردين لا الجمعة لأنها لا تصح إلا في جماعة كما تقدم في باب الجمعة للمملوك والمرأة في قوله صلى الله عليه و سلم ( الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة ) ولما حكاه النووي من الإجماع على أنها لا تصح إلا في جماعة ] المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود 6/221 .
وقال الحافظ ابن عبد البر :[ وأما إذن عثمان لأهل العوالي وقوله : قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان يعني الجمعة والعيد ، قال : فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له ، فقد اختلف العلماء في تأويل قول عثمان هذا واختلفت الآثار في ذلك أيضاً عن النبي صلى الله عليه و سلم واختلف العلماء في تأويلها والأخذ بها : فذهب عطاء بن أبي رباح إلى أن شهود العيد يوم الجمعة يجزئ عن الجمعة إذا صلى بعدها ركعتين على طريق الجمع .
وروي عنه أيضاً أنه يجزيه وإن لم يصل غير صلاة العيد ولا صلاة بعد صلاة العيد حتى العصر وحكي ذلك عن ابن الزبير وهذا القول مهجور لأن الله عز وجل افترض صلاة الجمعة في يوم الجمعة على كل من في الأمصار من البالغين الذكور الأحرار فمن لم يكن بهذه الصفات ففرضه الظهر في وقتها فرضاً مطلقاً لم يختص به يوم عيد من غيره . وقول عطاء هذا ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج قال :[ قال عطاء بن أبي رباح : إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد فليجمعهما وليصلهما ركعتين فقط حتى يصلي صلاة الفطر ثم هي هي حتى العصر ثم أخبرنا عند ذلك قال : اجتمعا يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد في زمن ابن الزبير فقال ابن الزبير : عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً جعلهما واحداً فصلى يوم الجمعة ركعتين بكرة صلاة الفطر لم يزد عليهما حتى صلى العصر قال : فأما الفقهاء فلم يقولوا في ذلك وأما من لم يفقه فأنكر ذلك عليه قال : ولقد أنكرت أنا ذلك عليه وصليت الظهر يومئذ قال : حتى بلغنا بعد أن العيدين كانا إذا اجتمعا صليا كذلك واحداً ] فتح المالك 3/335 .
وقال ابن عبد البر أيضاً :[ وأما القول الأول : إن الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهراً ولا جمعة فقول بين الفساد وظاهر الخطأ متروك مهجور لا يعرج عليه لأن الله عز وجل يقول:( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) . ولم يخص يوم عيد من غيره وأما الآثار المرفوعة في ذلك فليس فيها بيان سقوط الجمعة وا